ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، وبرئاسة الفنان محمد رياض، واصل المهرجان فعاليات «يوم الوفاء لرموز المسرح»، بندوة لتكريم المطرب والملحن المسرحي الراحل محمد عزت، أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالغناء المسرحي والموسيقى ذات الجذور الشعبية، وذلك في جلسة أدارها الفنان عزت زين، بمشاركة الفنان القدير يوسف إسماعيل، والكاتب شريف جاد، والشاعر زين العابدين فؤاد، والموسيقار الكبير منير الوسيمي، الذين استعادوا محطات من مسيرته الفنية والإنسانية، مؤكدين أن تجربته تجاوزت حدود التلحين والغناء إلى تأسيس مشروع فني منحاز للهوية المصرية والإنسان البسيط.
عزت زين: فنان لم يحصل على ما يستحقه من تقدير
استهل الفنان عزت زين الندوة باستعادة ذكرياته الأولى مع محمد عزت، مشيرًا إلى أن لقاءه الأول به كان خلال مهرجان «100 ليلة» بمسرح السامر عام 1982، حيث اكتشف صوتًا مختلفًا يحمل مشروعًا فنيًا واضحًا، واستعاد الأغنيات التي كانت تبشر بالتغيير وتحمل هموم الناس، مؤكدًا أن مسيرة محمد عزت بعد ذلك شهدت حضورًا بارزًا على خشبات المسرح من خلال عروض عديدة، كما لفت إلى أن الراحل جمع بين التمثيل والتلحين، وعمل في مختلف مسارح الدولة، لكنه لم ينل المكانة التي يستحقها رغم موهبته الكبيرة وإسهاماته الممتدة في المسرح المصري.
يوسف إسماعيل: موسيقاه كانت تنقذ العروض المسرحية
وأكد الفنان القدير يوسف إسماعيل أن علاقته بمحمد عزت امتدت لأكثر من أربعة عقود، منذ بداية الثمانينيات، حيث جمعتهما عشرات العروض المسرحية، موضحًا أن الفنان والإنسان كانا وجهين لشخصية واحدة لا يمكن الفصل بينهما، فقد عاش ببساطة انعكست بوضوح على ألحانه التي اقتربت من وجدان الجمهور بسهولة.
وأشار إلى أن محمد عزت قدم نغمة جديدة في الغناء المسرحي، تختلف عن السائد في ذلك الوقت، واعتمد على تيمات موسيقية شعبية بسيطة لكنها شديدة العمق، لافتًا إلى أنه كان يؤدي دور فرقة موسيقية كاملة بعوده فقط، في وقت كانت فيه ميزانيات الإنتاج المسرحي محدودة، فكان يمثل حلًا فنيًا وإبداعيًا للمخرجين، دون أن يفقد العمل ثراءه الموسيقي أو قيمته الجمالية.
شريف جاد: الفن الصادق يبقى مهما طال التجاهل
وقال الكاتب شريف جاد إن الاحتفاء بمحمد عزت يمثل وفاءً لفنانين قدموا مشاريعهم بإخلاص رغم قلة الإمكانات، مشيرًا إلى أن المبدعين الحقيقيين كثيرًا ما يواجهون التجاهل في حياتهم، لكن الزمن ينصفهم، مستشهدًا بتجربة المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي، الذي تعرض للتهميش في حياته قبل أن يصبح أحد أهم المخرجين في تاريخ السينما.
وأضاف أن محمد عزت كان من هؤلاء الفنانين الذين ظلوا مخلصين لفنهم، وارتبطوا بقضايا الناس وبالتراث الشعبي، كما استعاد ذكرياته داخل بيت الراحل، مؤكدًا أنه كان بيتًا يعج بالفن والشعر والغناء، وأن والدته شكلت مصدرًا مهمًا لإلهامه، بعدما نقل صوتها وحضورها الشعبي إلى المسرح، في تجربة كشفت اهتمامه الحقيقي بجمع التراث الشعبي وتقديمه بصورة فنية معاصرة.
زين العابدين فؤاد: محمد عزت منح الناس الغناء قبل أن يمنحهم المسرح
واستعاد الشاعر زين العابدين فؤاد تجربته مع محمد عزت في أوائل التسعينيات، خلال تقديم عرض مسرحي مع نساء حي الزبالين، مؤكدًا أن الراحل خاض تجربة إنسانية وفنية استثنائية حين وضع ألحان العرض لمجموعة من السيدات اللاتي لا يقرأن ولا يكتبن، معتمدًا على الغناء الجماعي دون استخدام أي آلة موسيقية.
وأوضح أن محمد عزت لم يكن يقدم الألحان دفعة واحدة، بل كان يحضر البروفات بشكل يومي، ويشارك في تدريب المشاركات حتى يحفظن الأغنيات ويؤدينها بطبيعتهن، معتبرًا أن هذه التجربة تعكس فلسفته الفنية القائمة على الإيمان بالإنسان، وقدرة الفن على الوصول إلى الجميع دون تعقيد أو استعراض.
منير الوسيمي: امتلك فلسفة الموسيقى الشعبية المصرية
وأكد الموسيقار الكبير منير الوسيمي أن محمد عزت كان فنانًا متفردًا، جمع بين روح الهاوي واحتراف الفنان الحقيقي، ولم يكن ينظر إلى الفن باعتباره وسيلة للربح، وإنما رسالة وقيمة إنسانية، مشيرًا إلى أنه ارتبط بالشعراء الكبار، وفي مقدمتهم فؤاد حداد، وقدم أعمالًا ستظل حاضرة في الذاكرة، خاصة في المسرح.
وأضاف أن ما ميز تجربة محمد عزت هو استيعابه العميق للتراث الشعبي المصري، وقدرته على إعادة صياغته في جمل موسيقية تبدو وكأنها جزء أصيل من الوجدان الجمعي، مؤكدًا أن الوصول إلى هذه البساطة الصادقة ليس أمرًا سهلًا، وإنما يحتاج إلى فنان يمتلك وعيًا بالهوية المصرية وفلسفة الموسيقى الشعبية، وهو ما تحقق في معظم أعماله.
