أكد الدكتور وليد عتلم، الباحث في المركز الوطني للدراسات، في تصريحات خاصة لـ «الراية نيوز»، أن ما شهدته الساعات الماضية يعكس تحولاً مهماً في إدارة الأزمة، مشيراً إلى أن تلميح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام قوة عسكرية هائلة ثم قرار تأجيلها لا يعني بالضرورة تراجعاً عن الخيار العسكري، وإنما هو استخدامٌ له كورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض، حيث أصبح التهديد العسكري أداة سياسية أكثر منه هدفاً قائماً بذاته.
ضغوط واشنطن ومخاوف طهران
وأوضح د. عتلم أن العامل الثاني في هذا التحول يتمثل في وجود إدراك متزايد لدى جميع الأطراف بأن استمرار الحرب لم يعد يخدم أحداً؛ فالولايات المتحدة تواجه ضغوطاً داخلية مع ارتفاع أسعار الطاقة واقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وأضاف: «بالتوازي مع هذا الضغط السياسي، كان هناك صوت تنبيه وتحذير من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية يقوده رئيس هيئة الأركان الجنرال دان كين؛ حيث كانت تحذيرات البنتاغون صريحة بشأن نزيف صواريخ الاعتراض (مثل الباتريوت)، وهي ذخائر استراتيجية لا تستطيع واشنطن إفراغ مخزونها في مواجهة مفتوحة بالشرق الأوسط، بينما ترصد عينها الأخرى التوازنات الكبرى مع الصين في المحيط الهادئ».
وتابع الباحث بالمركز الوطني للدراسات: «على الجانب الآخر، يدرك النظام الإيراني أن بنيته التحتية للطاقة واقتصاده لن يتحملا حملة جوية أمريكية مكثفة لمدة 14 يوماً، ومن ثم يرى في هذه الصفقة مخرجاً لإعادة التذخير، والتقاط الأنفاس، ورفع الحصار عن صادراته النفطية».
دور الوساطة الإقليمية ومخاطر المجهول
وأشار د. عتلم إلى بروز الوساطة الإقليمية، خصوصاً من السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان، باعتبارها عنصراً حاسماً في هذه المرحلة. وكانت الرسالة الخليجية لواشنطن واضحة: إعطاء الدبلوماسية فرصة أخيرة، لأن أي ضربة أمريكية واسعة قد تدفع المنطقة إلى حرب يصعب احتواء تداعياتها.
وشدد على مخاطر المجهول قائلاً: «عبارة ولي العهد السعودي الحاسمة: (لا تعرفون إلى أين يمكن أن يقود هذا النوع من الضربات) تلخص مخاوف دول المنطقة من أن 'الضربة الأمريكية الكبرى' لن تنهي الحرب، بل ستستفز ردوداً إيرانية عشوائية قد تطال البنية التحتية للطاقة في المنطقة ككل، مما يرفع تكلفة الصراع إقليمياً ودولياً».
مضيق هرمز.. جوهر الأزمة
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، بين د. عتلم أنه يمثل جوهر الأزمة، فإعادة فتحه بصورة مستقرة تعني عودة جزء كبير من الاستقرار إلى أسواق النفط العالمية، لكنها في المقابل ترتبط بحزمة تفاهمات أوسع تشمل أمن الملاحة، والبرنامج النووي الإيراني، ومستقبل نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران في الإقليم.
وقال: «النقطة الجوهرية التي يجب أن يتنبه لها المتابع هي الفارق بين 'الفتح الكامل للمضيق' كما تطالب واشنطن لتهدئة الأسواق، وبين 'ترتيب مسارات ملاحية جديدة' كما تحاول طهران الترويج له مع مسقط لضمان أوراق ضغط مستقبلية؛ ففك هذا الخناق عن شريان النفط العالمي هو الشرط الأساسي الذي يحدد استمرار أو عدم استمرار التصعيد».
سيناريو المرحلة المقبلة
وأكد الدكتور وليد عتلم في ختام تصريحاته لـ «الراية نيوز» أن الطريق لا يزال معقداً، فحتى لو بدأت المفاوضات فإنها ستواجه ملفات شديدة الحساسية، مثل نسب تخصيب اليورانيوم، وآليات الرقابة، والعقوبات الاقتصادية، والضمانات الأمنية المتبادلة، وبالتالي نحن أمام بداية مسار تفاوضي جديد، وليس أمام اتفاق نهائي.
ورجح عتلم استمرار سياسة «الضغط مع التفاوض» خلال الفترة المقبلة، من خلال بقاء التهديد العسكري الأمريكي حاضرًا مقابل استمرار القنوات الدبلوماسية، لأن جميع الأطراف باتت تدرك أن كلفة الحرب الشاملة أصبحت أكبر من كلفة تقديم تنازلات متبادلة.
واختتم تصريحه قائلاً: «المنطقة تعيش ساعات حاسمة، وإلغاء الضربة الأمريكية لم يكن تراجعاً عسكرياً بقدر ما كان استجابة لواقعية الميدان والضغط الخليجي. والنجاح في المفاوضات مرهون بقدرة الوسطاء (عُمان ودول الخليج ومصر) على تجسير الفجوة بين 'شرط واشنطن في الفتح الكامل والتام لهرمز' و'رغبة طهران في فرض قواعد ملاحية وسياسية جديدة'. ولكن من المبكر القول إن خطر الحرب انتهى، فما حدث هو تأجيل للتصعيد وليس إلغاؤه، وإذا تعثرت المفاوضات أو وقع أي حادث عسكري في الخليج أو مضيق هرمز، فقد تعود الأزمة إلى نقطة الصفر والتصعيد سريعاً».

