على مدار سنوات طويلة، شهد الوسط الفني عددًا من الوصايا اللافتة التي تركها نجومه قبل رحيلهم، وجاءت بعض هذه الوصايا خارج الإطار التقليدي لمراسم الجنازة والعزاء، لتكشف جانبًا إنسانيًا مختلفًا في شخصيات أصحابها، بين من اختار البساطة، ومن فضل الرمزية، ومن أراد أن تتحول لحظاته الأخيرة إلى رسالة حياة بدلًا من مشهد حزن، ومع رحيل الفنان محمد مرزبان مؤخرًا ووصيته غير المألوفة، عاد هذا الملف إلى الواجهة من جديد.
فقد أوصى الفنان الراحل محمد مرزبان أسرته بارتداء الملابس البيضاء خلال مراسم تشييع جنازته، بدلًا من اللون الأسود المعتاد في مثل هذه المناسبات، وهو ما التزمت به أسرته بالفعل أثناء وداعه الأخير، وأثار هذا المشهد تفاعلًا واسعًا بين الجمهور، نظرًا لما حمله من دلالة مختلفة، حيث بدا وكأن الراحل أراد أن يودع بالحياة لا بالحزن.
وفي سياق مشابه، حملت وصية الفنان عبد الرحمن أبو زهرة طابعًا وجدانيًا مرتبطًا بمشواره الفني الطويل، إذ طلب أن تمر جنازته من أمام مسجد الإمام الحسين، ثم تتجه إلى المسرح القومي في العتبة، في إشارة رمزية إلى ارتباطه العميق بالمسرح الذي شكل جزءًا كبيرًا من رحلته الفنية، وقدم من خلاله أعمالًا خالدة عبر عقود.
أما الفنانة اللبنانية صباح، فكانت وصيتها واحدة من أكثر الوصايا غرابة واحتفاءً بالحياة، إذ طلبت ألا تتحول جنازتها إلى مشهد بكاء وحزن، بل إلى احتفال مليء بالأغاني والورود.
وبالفعل، تحول يوم وداعها إلى مشهد استثنائي امتزجت فيه الدموع بالزغاريد والموسيقى، في جنازة وصفت بأنها “احتفال بالحياة بعد الرحيل”.
ومن الوصايا اللافتة أيضًا ما فعله الفنان أحمد رمزي، الذي ارتبط اسمه بمدينة الساحل الشمالي في سنواته الأخيرة، حيث أوصى بأن يُدفن هناك بعيدًا عن القاهرة، بالقرب من المكان الذي أحب أن يعيش فيه هدوءه الأخير، وقد نُفذت وصيته بالفعل، حيث دُفن في مقابر الأسرة بالساحل، في مشهد عبر عن رغبته في البقاء قريبًا من البحر الذي أحبه حتى النهاية.
أما الفنانة ليلى مراد، فاختارت طريقًا مختلفًا تمامًا في رحيلها، إذ أوصت أسرتها بعدم الإعلان عن خبر وفاتها إلا بعد انتهاء مراسم الدفن، كما طلبت أن تكون صلاة الجنازة في مسجد السيدة نفيسة وسط حضور محدود من المقربين، بعيدًا عن الأضواء والازدحام الإعلامي، وهو ما يعكس شخصيتها الهادئة التي عُرفت بها طوال حياتها.
وفي حالة أثارت جدلًا واسعًا، نُسبت للفنان الراحل عامر منيب وصية تقضي بعدم حضور شقيقته جنازته أو تلقي العزاء إلا بعد توبتها، وهو ما أثار نقاشًا كبيرًا حينها حول خصوصية العلاقات الأسرية وحدود الوصايا بعد الوفاة، خاصة مع الطابع الإنساني الحساس الذي حملته الرواية المتداولة.
كما جاءت وصية الفنان محمد فوزي مختلفة من حيث التوقيت، إذ أوصى بألا يُدفن في يوم وفاته، وأن تُؤجل الجنازة إلى يوم الجمعة، تقديرًا لما يحمله هذا اليوم من مكانة دينية وروحانية، وهو ما استجابت له أسرته بالفعل، ليُشيَّع جثمانه في الموعد الذي اختاره.
وبين وصايا تميل إلى الرمزية، وأخرى تقترب من البساطة أو الاحتفاء بالحياة، تكشف هذه المواقف عن جانب إنساني خفي في حياة الفنانين، بعيدًا عن الأضواء والشهرة، فحتى لحظة الرحيل، ظل لكل منهم طريقته الخاصة في ترك رسالة أخيرة، تبقى شاهدًا على شخصيته ورؤيته للحياة والموت معًا.



