كتب: محمد إبراهيم
كشفت التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة مع المتهم الأول في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«القاضي المزيف»، تفاصيل جديدة حول كيفية إيهامه المواطنين وأهالي قريته بأنه مستشار بمجلس الدولة، قبل أن تنكشف حقيقته وتتم إحالته إلى المحاكمة الجنائية.
القاضي المزيف في التحقيقات: اشتريت بدلتين من سوق الجمعة واستأجرت بودي جارد لإتقان الشخصية
ويواجه المتهم مصطفى وآخرين انتحال صفة قاضٍ، والدخول إلى مقر إحدى المحاكم والتصوير داخلها، بهدف إيهام بعض الأشخاص بامتلاكه نفوذًا وقدرة على استغلال صفته المزعومة في إنهاء مصالح وتخصيص وحدات سكنية، فضلًا عن اتهامات بالنصب والاحتيال.
وكانت المحكمة قد نظرت أولى جلسات القضية في نهاية يوليو الماضي، وقررت تأجيلها إلى جلسة الأول من سبتمبر المقبل.
وخلال التحقيقات، سأل أعضاء النيابة المتهم عن الطريقة التي اتبعها لإقناع أهالي قريته في مركز أطفيح بمحافظة الجيزة بأنه أصبح مستشارًا في مجلس الدولة، فأوضح أنه توجه إلى أحد الأسواق الشعبية، المعروف باسم «سوق الجمعة»، واشترى بدلتين مستعملتين، حتى يظهر بمظهر رسمي يشبه مظهر رجال القضاء.
ولم يكتفِ المتهم بارتداء البدلات، بحسب أقواله في التحقيقات، إذ ذكر أنه استأجر سيارة خاصة بسائق، واستعان بعدد من أفراد الحراسة الشخصية «بودي جارد»، وكان يظهر برفقتهم خلال زياراته إلى مسقط رأسه، بهدف إعطاء انطباع لمن حوله بأنه أصبح شخصية مهمة وذات نفوذ.
وحول سبب اختياره مجلس الدولة تحديدًا لنسب نفسه إليه، قال المتهم إنه شاهد مقاطع على منصة «تيك توك» تتحدث عن مجلس الدولة، واعتقد أنه من أكبر الجهات القضائية في مصر، فقرر أن ينسب نفسه إليه حتى يمنح صفته المزعومة مزيدًا من المصداقية ويجعل أهالي قريته ينظرون إليه باعتباره شخصية كبيرة.
وبحسب أقواله، لم يكن هدفه في البداية تحقيق مكاسب مالية، وإنما كان يرغب في تغيير الصورة التي يعرفه بها أهالي قريته وإثبات نفسه أمامهم، موضحًا أنه كان يريد أن يتحدث الناس عنه بصورة إيجابية وأن يعتقدوا أنه أصبح شخصًا مهمًا.
وقال المتهم خلال التحقيقات إنه نشأ في منطقة الخلف الشرقي بمركز أطفيح في الجيزة، وإن والده كان يعمل في الزراعة، بينما كانت والدته ربة منزل، وأن والديه توفيا منذ فترة. وأضاف أن لديه إخوة يعملون في مصانع بمنطقة أطفيح، وأن ظروف الأسرة المادية كانت بسيطة، ولم يكن لديهم ميراث، كما جرى بيع منزل الأسرة لمساعدة إخوته في الزواج.
وأشار إلى أنه لم يستكمل تعليمه بعد الحصول على الشهادة الإعدادية من مدرسة أحمد الصاوي للتعليم الأساسي في أطفيح، موضحًا أن الظروف المادية حالت دون استكمال دراسته، واضطر إلى العمل في سن مبكرة لمساعدة نفسه.
وتحدث المتهم عن بداية حياته العملية، موضحًا أن أول عمل له كان عام 2012، عندما كان يقوم بتأجير دراجة في بلدته مقابل جنيه واحد في اليوم، ثم استأجر جهازَي كمبيوتر من أحد أبناء قريته وافتتح محلًا للإنترنت «سيبر»، لكنه أغلقه بعد فترة.
وأضاف أنه عمل بعد ذلك في أحد مصانع الطوب بمنطقة الصف، ثم انتقل إلى القاهرة واستمر في العمل بالمصانع، موضحًا أن طبيعة عمله الحالية تتمثل في حمل الطوب وتحميله على السيارات، وأنه يحصل على نحو 800 جنيه أسبوعيًا مقابل عمله.
وعن سبب انتقاله للإقامة في القاهرة، قال المتهم إنه لم يكن لديه من يسأل عنه في بلدته، وإنه كان يحب القاهرة ويرغب في العيش بها، خاصة أنه كان يرى أصدقاءه يرتدون ملابس جيدة ويتوجهون إلى الجامعات، وكان يتمنى أن يصبح مثلهم.
وبحسب التحقيقات، أكد المتهم أن فكرة انتحال صفة المستشار جاءت نتيجة رغبته في إثبات ذاته أمام أبناء قريته، وقال إنه قرر أن يظهر أمامهم باعتباره مستشارًا في مجلس الدولة.
وأوضح أنه اشترى البدلتين من «سوق الجمعة»، واستأجر سيارة بسائق، واستعان بأفراد حراسة، ثم توجه بهم إلى قريته، بهدف إقناع الأهالي بأنه أصبح شخصية كبيرة.
كما كشف أنه طبع كروتًا تحمل اسمه ورقم هاتفه، وكتب عليها أنه قاضٍ في مجلس الدولة، لكنه أكد أنه لم يصنع كارنيهًا رسميًا ولم يدّع امتلاك بطاقة عضوية حقيقية في الجهة القضائية.
وأضاف أن تلك الكروت التي عُثر عليها بحوزته جرى إعدادها في منطقة الموسكي قبل نحو 3 سنوات، وأنه كان يستخدمها في إطار الشخصية التي اختلقها لنفسه.
وحول رد فعل أهالي القرية، قال المتهم إن الناس بدأوا يتحدثون عنه بشكل إيجابي، وعندما سألوه عن سبب وجود السيارة وأفراد الحراسة معه، كان يخبرهم بأنه سيُعيّن قريبًا في مجلس الدولة.
وعندما واجهته النيابة بكيفية تمكنه من إقناع المواطنين بصفته المزعومة رغم أنه لم يحصل سوى على الشهادة الإعدادية، قال إن بعض الأشخاص انخدعوا بالمظاهر، خاصة السيارة وأفراد الحراسة والملابس الرسمية.
وأعاد المتهم التأكيد على أن اختياره لمجلس الدولة جاء بعدما شاهد محتوى عنه عبر «تيك توك»، وأن هدفه الأساسي كان أن يثبت نفسه أمام أهالي بلدته ويجعلهم يتحدثون عنه باعتباره شخصًا مهمًا.
وعن مدى نجاحه في تحقيق هدفه، قال المتهم إن الناس بالفعل بدأت تتحدث عنه بصورة إيجابية، وإنه شعر بأنه نجح في الوصول إلى ما كان يريده من وراء تلك التصرفات.
لكن المتهم كشف خلال التحقيقات أنه سبق أن تعرض لموقف قانوني مشابه، بعدما أبلغ عنه أحد أصدقائه، واتهمه بالحصول على مبلغ 12 ألف جنيه منه، واكتشاف أنه ليس مستشارًا.
وأوضح أن الأجهزة الأمنية ألقت القبض عليه أثناء وجوده في ملعب لكرة القدم بمنطقة التجمع، وأن الاتهامات التي وجهت إليه وقتها تضمنت النصب وانتحال صفة قاضٍ في مجلس الدولة.
وأضاف أنه صدر بحقه حكم بالحبس لمدة 6 أشهر، وقضى العقوبة عام 2023، مؤكدًا أنه بعد خروجه من السجن قرر التوقف عن تلك التصرفات وعدم تكرارها.
إلا أن المتهم قال إنه عاد إلى الأمر مرة أخرى، موضحًا أن السبب هذه المرة كان رغبته في الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي وتحقيق الشهرة، قائلًا إنه كان يريد أن يصبح «تريند».
وفسر المتهم معنى كلمة «تريند» خلال التحقيقات بأنها تعني أن يتحدث عنه الناس ويكون محل اهتمام ومتابعة، خاصة على منصة «تيك توك» وفي بلدته.
وتواصل الجهات القضائية نظر القضية، فيما تستمر محاكمة المتهمين في الاتهامات المنسوبة إليهم، على أن تنظر المحكمة القضية في جلسة الأول من سبتمبر المقبل.
