في ذكرى ميلادها.. مديحة كامل من قمة النجومية إلى الاعتزال في صمت

مديحة كامل

تحل اليوم، 3 أغسطس، ذكرى ميلاد الفنانة الراحلة مديحة كامل، إحدى أبرز نجمات السينما المصرية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والتي استطاعت أن تفرض حضورها بموهبتها وجمالها الطبيعي وأدائها المتنوع، قبل أن تتخذ قرارًا غيّر مسار حياتها بالكامل، عندما اعتزلت الفن وارتدت الحجاب وهي في قمة شهرتها، لتظل قصتها واحدة من أكثر الحكايات التي أثارت اهتمام الجمهور حتى بعد رحيلها.


وُلدت مديحة كامل في الثالث من أغسطس عام 1948 بمدينة الإسكندرية، ونشأت في أسرة بسيطة، قبل أن تنتقل إلى القاهرة بحثًا عن تحقيق حلمها الفني، وفي سنوات شبابها الأولى، لفتت الأنظار بجمالها، فعملت في عروض الأزياء والإعلانات، وهو ما فتح أمامها أبواب السينما، لتبدأ مشوارها الفني في منتصف ستينيات القرن الماضي من خلال أدوار صغيرة في عدد من الأفلام والمسرحيات.


ورغم أن بداياتها لم تكن بطولة مطلقة، فإنها استطاعت أن تثبت حضورها تدريجيًا بفضل شخصيتها الهادئة وأدائها الصادق، حتى جاءت الفرصة التي غيرت مسارها الفني عندما شاركت أمام الفنان الكبير فريد شوقي في فيلم «30 يومًا في السجن»، لتلفت الأنظار إليها بشكل أكبر، وتبدأ مرحلة جديدة من النجومية.


لكن نقطة التحول الحقيقية في مسيرتها جاءت مع مشاركتها في فيلم «الصعود إلى الهاوية» للمخرج الكبير كمال الشيخ، أمام الفنان محمود ياسين، حيث جسدت شخصية مركبة كشفت عن إمكاناتها التمثيلية الكبيرة.


 ويُعد الفيلم من أهم أعمال السينما المصرية، وأسهم في تثبيت مكانتها بين نجمات جيلها، خاصة بعدما اعتذرت أكثر من فنانة عن تقديم الدور، لتنجح مديحة كامل في استغلال الفرصة وتحقيق نجاح جماهيري ونقدي كبير.


وخلال مسيرتها، شاركت في أكثر من 80 فيلمًا سينمائيًا، تنوعت بين الدراما والرومانسية والأكشن، كما قدمت عددًا من الأعمال التلفزيونية والمسرحية، وتعاونت مع كبار نجوم الفن، من بينهم فريد شوقي، ومحمود ياسين، ونور الشريف، وعادل إمام، ومحمود عبد العزيز، وحسين فهمي، وأحمد زكي، وغيرهم، ورغم أن كثيرًا من أدوارها جاءت في إطار البطولة المشتركة أو الثانية، فإنها نجحت في ترك بصمة واضحة، وأصبحت من الوجوه المحببة لدى الجمهور.


وعلى الصعيد الشخصي، مرت مديحة كامل بعدة تجارب زوجية، إذ تزوجت للمرة الأولى من رجل الأعمال محمود الريس، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة ميرهان، التي كانت الأقرب إلى قلبها. وبعد انفصالها، تزوجت من المخرج السينمائي شريف حمودة، ثم خاضت تجربة زواج ثالثة من أحد المحامين، بعيدًا عن الأضواء.


وفي خطوة أثارت اهتمام الوسط الفني والجمهور، أعلنت مديحة كامل في أبريل عام 1992 ارتداء الحجاب واعتزالها الفن نهائيًا، مؤكدة رغبتها في التفرغ لحياتها الخاصة والابتعاد عن الأضواء، وكان آخر أعمالها فيلم «بوابة إبليس»، إلا أنها رفضت العودة لاستكمال تصوير بعض مشاهده بعد قرار الاعتزال، ما اضطر صناع الفيلم إلى الاستعانة بدوبليرة لاستكمال اللقطات المتبقية.


وبعد اعتزالها، ابتعدت تمامًا عن الحياة الفنية والإعلامية، ولم تظهر إلا في لقاء تلفزيوني واحد مع الإعلامي مفيد فوزي في برنامج «حوار صريح جدًا» عام 1995، إلا أن الحلقة لم تُعرض، بعدما تضمن الحوار انتقادات حادة منها لبعض الممارسات داخل الوسط الفني.


وعلى الجانب الصحي، عانت الفنانة الراحلة سنوات طويلة من مشكلات في القلب، إذ تعرضت لأول جلطة قلبية عام 1975 أثناء تصوير مسلسل «الأفعى»، ومنذ ذلك الوقت أصبحت حالتها الصحية تتطلب متابعة مستمرة، وفي سنواتها الأخيرة، تدهورت حالتها بشكل ملحوظ نتيجة ضعف عضلة القلب وتجمع السوائل على الرئتين، ما استدعى دخولها مستشفى مصطفى محمود لفترة علاج امتدت نحو عشرة أشهر.


وفي صباح يوم 13 يناير عام 1997، الذي وافق الرابع من شهر رمضان، استيقظت مديحة كامل، وأدت صلاة الفجر مع ابنتها وزوج ابنتها، ثم عادت إلى غرفتها للنوم، وعندما تأخر خروجها، دخلت ابنتها للاطمئنان عليها، لتكتشف أنها فارقت الحياة بهدوء، لتنتهي رحلة واحدة من أشهر نجمات السينما المصرية عن عمر ناهز 48 عامًا.


ورغم رحيلها المبكر، لا تزال مديحة كامل حاضرة في ذاكرة الجمهور بأعمالها التي تُعرض باستمرار على شاشات التلفزيون والمنصات المختلفة، كما يواصل محبوها استعادة مشاهدها المميزة في كل مناسبة، لتبقى واحدة من الفنانات اللاتي تركن بصمة خاصة في تاريخ السينما المصرية، ومسيرة فنية جمعت بين النجاح الكبير، وقرار الاعتزال المفاجئ، والرحيل الذي أحزن جمهورها ومحبيها.