بحر غزة يغسل الدماء.. رصاصة غدر الاحتلال تسرق ضحكة الفتى الفلسطيني الأخيرة

محمد أبو جياب

​لم تكن الكاميرا مجرد عدسة في يد الفتى الفلسطيني محمد أبو جياب؛ كانت امتداداً لعينين لم تملأهما سوى زرقة البحر بعد طول حصار، وشهادة ميلاد مؤقتة لبهجةٍ انتزعها انتزاعاً من جوف المأساة. في شريط الفيديو القصير (الريلز)، يظهر ابن الستة عشر عاماً مبللاً برذاذ الموج، يبتسم بملء قلبه وخلفه رفاقه يركضون فوق الرمل الساخن؛ مشهد سينمائي بامتياز، تفيض منه الحياة، لكنه يحمل في طياته "التناقض الصارخ" الذي يختزل حكاية القطاع: الفرح هنا يولد دائماً في حقل ألغام.


​تبدأ الحكاية بـ "ريلز" لم يتجاوز ثوانٍ معدودات، وثّق فيه محمد رحلته الأخيرة إلى الشاطئ. الشاطئ الذي يعد المتنفس الوحيد، والملاذ الأخير لمليوني إنسان يهربون من جحيم القصف والرماد إلى صخب الأمواج. كان الفتى يصور نفسه، كأي مراهق في العالم يحب الحياة ويفتخر بـ "لمته" مع الأصدقاء، كانت الضحكات صاخبة، وصوت الرياح يمتزج بضحكاتهم الصافية، وبدا أن غزة، ولو للحظات، قد نفضت عنها غبار الحرب بفضل ضحكة محمد.


​لكن المأساة في غزة لا تمهِل أحداً ليتمّ فرحته. في اللحظة التي كان فيها محمد يغادر الموج، محملاً بملوحة البحر وأمل الغد، اخترقت رصاصة الاحتلال الإسرائيلي هدوء المكان وسكنت جسده الغض.


لم يكن ابن الستة عشر عاماً يحمل سلاحاً، ولم يكن يشكل خطراً؛ كان سلاحه الوحيد تلك الابتسامة الموثقة في هاتف محمول، وذنبه أنه تجرأ على الفرح في بقعة جغرافية مبرمجة على الحزن والدموع.


​تحولت رحلة الاستجمام، في طرفة عين، إلى موكب تشييع. تبدلت صرخات المرح واللعب بصرخات الفزع والذهول، واختلطت دماء محمد أبو جياب بمياه البحر التي كان يلهو بها قبل دقائق. إنها المفارقة المروعة التي صاغتها يد الرصاص: أن يتحول المشهد الأشد حيوية وتدفقاً بالحياة، إلى الوثيقة البصرية الأخيرة التي تسبق الموت.


​تكمن عبقرية هذا الفيديو في أنه لا ينقل مجرد حدث عابر، بل يطرح سؤالاً فلسفياً حارقاً حول قيمة الحياة الإنسانية في غزة. كيف يمكن لرصاصة واحدة أن تبيد عالماً كاملاً من الأحلام والضحكات كان يملكه فتى في السادسة عشرة من عمره؟ وكيف تصبح الصورة، التي صُنعت لتخليد الذكرى، هي المرجع الوحيد لملامح شهيد جديد ينضم إلى قوائم الأرقام الصماء؟


​يرحل محمد أبو جياب، ويبقى شريط الفيديو شاهداً حياً؛ يروي للعالم كيف أن أطفال غزة وشبابها لا يموتون لأنهم يعشقون الموت، بل لأنهم يقتلون وهم يمارسون أقصى درجات الحب للحياة، على شاطئ كان شاهداً على فرحتهم الأخير.. ورحيلهم المفجع.