صانع التوافق في زمن العواصف.. كيف قاد عبد ربه منصور هادي اليمن وسط أمواج السياسة العاتية؟

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور

شهد اليمن في تاريخه المعاصر تحولات عاصفة ومتغيرات سياسية وعسكرية دموية برزت خلالها شخصيات تقلدت أدواراً محورية في توجيه دفة الأحداث ويأتي على رأس هذه القامات رئيس اليمن الراحل عبد ربه منصور هادي الذي لُقّب برجل التسويات الصامت نظراً لطبيعة صعوده السياسي الهادئ وإدارته لأزمات البلاد في واحدة من أعقد المراحل التاريخية وأكثرها حرجاً.


من خنادق العسكرية إلى جبهة الشمال

​ولد عبد ربه منصور هادي عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين في محافظة أبين بجنوب اليمن واختار السلك العسكري مساراً لصياغة مستقبله حيث صقل مهاراته الاستراتيجية في أعرق الأكاديميات الدولية فتخرج في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية البريطانية عام ألف وتسعمائة وستة وستين وتابع تحصيله العسكري العالي بنيل الماجستير من مصر والاتحاد السوفيتي السابق وشكّلت أحداث يناير الدامية عام ألف وتسعمائة وستة وثمانين في الشطر الجنوبي نقطة تحول في مسيرته حيث انتقل عقبها إلى الشمال مستقراً في صنعاء ليواصل ممارسة مهامه القيادية داخل صفوف القوات المسلحة.


الصعود الهادئ إلى سدة الحكم

​عُرف هادي طوال مسيرته بالابتعاد التام عن الأضواء والتواري عن صخب وسائل الإعلام وهو ما أهّله ليكون شخصية توافقية بامتياز في المحطات المفصلية حيث عيّنه الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح نائباً له عقب حرب صيف عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين واستمر في هذا المنصب الرفيع قرابة ثمانية عشر عاماً اتسمت بالولاء الشديد والهدوء وتجنب الصدامات مع مراكز القوى وعقب اندلاع ثورة الشباب عام ألفين وأحد عشر وتوقيع المبادرة الخليجية لنقل السلطة برز اسم هادي كمرشح توافقي وحيد لإنقاذ البلاد وجرى انتخابه في فبراير من عام ألفين واثني عشر رئيساً للجمهورية لفترة انتقالية لتبدأ معها أصعب مراحل حكمه.


عواصف الرئاسة ومحطات الانكسار

​واجه هادي خلال عقده الرئاسي تحديات جسيمة غيرت ملامح الخريطة اليمنية والإقليمية حيث قاد في البداية جلسات الحوار الوطني الشامل والتي تمخضت عن صياغة مسودة الدستور الجديد لليمن الاتحادي لكن في سبتمبر من عام ألفين وأربعة عشر اجتاحت جماعة الحوثي العاصمة صنعاء وفرضت الإقامة الجبرية على الرئيس التوافقي إلا أنه نجح في الإفلات متوجهاً إلى عدن حيث أعلنها عاصمة مؤقتة وتراجع عن استقالته متمسكاً بشرعيته الدستورية وفي مارس من عام ألفين وخمسة عشر انتقل هادي إلى العاصمة السعودية الرياض وطلب رسمياً تدخلاً عسكرياً من تحالف عربي بقيادة المملكة لردع الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.


الترجل الأخير وإسدال الستار

​وفي السابع من أبريل عام ألفين واثنين وعشرين وفي خطوة مفاجئة جاءت تتويجاً للمشاورات اليمنية اليمنية برعاية مجلس التعاون الخليجي في الرياض أعلن الرئيس عبد ربه منصور هادي نقل كامل صلاحياته وصلاحيات نائب الرئيس إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي ليسدل الستار على حقبة رئاسية استمرت عقداً من الزمان ويختتم مسيرة رجل آثر العمل في صمت وسط تلاطم أمواج السياسة اليمنية وظل متمسكاً بالحلول التوافقية حتى اللحظات الأخيرة من حكمه.


وغيب الموت اليوم الخميس، الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، عن عمر يناهز 81 عاماً، بمقر إقامته في العاصمة السعودية الرياض.