كتبت شيماء حمدالله
تشهد السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط تطورًا لافتًا، في ظل طرح الرئيس الصيني شي جين بينج دعوة لبناء هيكل أمني جديد في المنطقة، خلال وجوده في القاهرة يوم 2 سبتمبر 2026. وبينما تثير الدعوة تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي تسعى بكين إلى القيام به، يرى السفير عمر أبو عيش، مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو جمعية الصداقة المصرية الصينية، أن الخطوة تعكس تطورًا مهمًا في الحضور الصيني، لكنها لا تعني تحول بكين إلى بديل عسكري للولايات المتحدة.
وفي تصريحات خاصة لـ«الراية نيوز»، أوضح أبو عيش أن التطور الأبرز يتمثل في انتقال الصين تدريجيًا من التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية والوساطة السياسية إلى المشاركة في تشكيل قواعد الأمن الإقليمي، مشددًا على أهمية التوقيت والمكان اللذين طُرحت فيهما المبادرة.
السفير عمر أبو عيش: الصين تتجه لتشكيل الأمن الإقليمي
هل تعكس دعوة الصين لبناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط تحولًا في دور بكين بالمنطقة؟
قال السفير عمر أبو عيش إن المنطقة تشهد، إلى حد ما، تحولًا في الدور الصيني، موضحًا أن تطور حضور بكين في الشرق الأوسط مر بثلاث مراحل رئيسية، بدأت بالاقتصاد والطاقة، ثم انتقلت إلى الوساطة السياسية، وصولًا إلى المساهمة في هندسة الأمن الإقليمي.
وأوضح أن الصين كانت تقليديًا حريصة على عدم تحمل التكلفة السياسية والعسكرية المرتبطة بأمن المنطقة، في الوقت الذي استفادت فيه من المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة.
وأضاف أن بكين بدأت لاحقًا التحرك دبلوماسيًا بصورة أكثر وضوحًا، وصولًا إلى دورها في تحقيق المصالحة السعودية الإيرانية عام 2023.
وأشار أبو عيش إلى أن خطاب الرئيس الصيني شي جين بينج في القاهرة يذهب إلى خطوة أبعد، لأنه لا يتناول حل أزمة محددة، وإنما يتحدث عن إعادة تشكيل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بصورة أوسع.
أربعة اتجاهات صينية لإعادة تشكيل أمن الشرق الأوسط
وأوضح الدبلوماسي المصري أن الرئيس الصيني طرح أربعة اتجاهات رئيسية، يأتي في مقدمتها أن تكون دول الشرق الأوسط صاحبة الدور الأساسي في إدارة أمنها، إلى جانب تعزيز الحوار حول قضايا السلام والأمن.
كما تتضمن الرؤية الصينية أن تناقش دول المنطقة بنفسها سبل إعادة تشكيل الهيكل الأمني للشرق الأوسط، بما يعكس رغبة بكين في إعطاء الأطراف الإقليمية دورًا أكبر في إدارة قضايا أمنها.
وشدد أبو عيش على أن هناك فارقًا مهمًا في طبيعة الدور الذي تسعى الصين إلى القيام به، موضحًا أن بكين تريد أن تصبح قوة مُشكِّلة للمنظومة الأمنية، أي دولة قادرة على التأثير في صياغة قواعد وترتيبات وهياكل الأمن، من دون أن تتحمل بالضرورة مسؤولية ضمان الأمن عسكريًا أو تقدم التزامات دفاعية مماثلة لتلك التي تتحملها الولايات المتحدة.
وأكد أن هذه النقطة تعد جوهرية في قراءة التصريحات الصينية وفهم طبيعة الدور الذي تسعى بكين إلى ترسيخه في المنطقة.
ما الذي تقصده الصين تحديدًا بالأمن المشترك في الشرق الأوسط؟
قال السفير عمر أبو عيش إن المصطلح الصيني الكامل هو «الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام»، موضحًا أن جوهر هذا التصور يرتبط بمبادرة الأمن العالمي الصينية.
وأشار إلى أن المقصود تحديدًا بالأمن المشترك هو أن أمن أي دولة لا ينبغي أن يتحقق على حساب أمن دولة أخرى.
وأضاف أن بكين، على الأقل من الناحية النظرية، تعارض فكرة التحالفات المغلقة التي تستهدف خصمًا بعينه، وتفضل بدلًا من ذلك إنشاء ترتيبات تستطيع الأطراف المتنافسة نفسها المشاركة فيها.
وأوضح أن التصور الصيني لأمن الشرق الأوسط لا يقوم على إنشاء تحالف عربي ضد إيران، أو محور إيراني في مواجهة دول الخليج، كما لا يستهدف إقامة نظام تقوده قوة خارجية ضد طرف إقليمي.
الصين تطرح منصة للأمن الجماعي في المنطقة
وبيّن أبو عيش أن التصور الصيني أقرب إلى إنشاء منصة للأمن الجماعي تضم دول المنطقة، بحيث تتعامل مع مجموعة واسعة من الملفات، من بينها الأمن العسكري، ومكافحة الإرهاب، والطاقة، والممرات البحرية، والتنمية، والأمن الاقتصادي.
ويرى أن هذا المفهوم يختلف عن النموذج الأمريكي التقليدي، الذي يقوم على بناء تحالفات ترتبط بوجود قواعد عسكرية بهدف تحقيق الردع، إلى جانب تقديم ضمانات أمنية متفق عليها.
في المقابل، يقوم النموذج الصيني المقترح، وفق أبو عيش، على الحوار والشراكات والمصالح الاقتصادية المتبادلة، مع استهداف تحقيق التنمية من خلال مؤسسات إقليمية يمكنها المساهمة في تسوية أي مشكلة قد تنشأ بين دول الإقليم.
مبادرة الأمن العالمي ودور دول المنطقة
وأشار الدبلوماسي المصري إلى أن مبادرة الأمن العالمي الصينية تنص بصورة واضحة على أن الهدف في الشرق الأوسط يتمثل في مراعاة الشواغل الأمنية المعقولة لجميع الأطراف، والعمل على تعزيز قدرة دول المنطقة نفسها على الحفاظ على أمنها.
كما تتضمن الرؤية الصينية إعطاء دور للجامعة العربية والمنظمات الإقليمية، بما يدعم فكرة أن تكون دول الشرق الأوسط طرفًا رئيسيًا في إدارة قضايا الأمن والاستقرار داخل المنطقة.
وبحسب قراءة السفير عمر أبو عيش، فإن التطور الحالي لا يعني انتقال الصين بشكل مباشر إلى دور عسكري ينافس الولايات المتحدة، وإنما يعكس سعي بكين إلى توسيع حضورها من المجال الاقتصادي والوساطة السياسية إلى التأثير في صياغة قواعد الأمن الإقليمي وترتيباته.




