في مشهد استثنائي يحمل أبعادًا فلكية وروحانية، تستعد مكة المكرمة لاستقبال ظاهرة نادرة تتكرر لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث تتعامد الشمس مباشرة فوق الكعبة المشرفة بالتزامن مع وقفة عرفات، لتختفي الظلال تمامًا في لحظة مهيبة ينتظرها المهتمون بعلم الفلك والحجاج من مختلف أنحاء العالم.
وكشف الباحث الفلكي ورئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للفلك، إبراهيم الجروان، أن هذا الحدث الفريد يجمع بين توقيت فلكي ثابت ومناسبة دينية عظيمة، موضحًا أن تعامد الشمس فوق الكعبة يُعد من الظواهر المعروفة علميًا، لكنه هذا العام يكتسب خصوصية استثنائية لتزامنه مع يوم عرفة، وهو ما لم يحدث منذ نحو 33 عامًا.
وأشار الجروان إلى أن مدينة مكة المكرمة تقع عند خط عرض 21.4 درجة شمالًا، وهو ما يجعلها ضمن المسار الذي تمر فيه أشعة الشمس بشكل عمودي خلال فترات محددة من السنة، أثناء انتقال الشمس الظاهري بين خط الاستواء ومدار السرطان.
وأوضح أن لحظة التعامد تحدث عندما تصل الشمس إلى أعلى نقطة لها في السماء وقت الظهيرة، فتسقط أشعتها بصورة عمودية تقريبًا على سطح الأرض، لتصل زاوية السقوط إلى نحو 90 درجة، وهو ما يؤدي إلى اختفاء ظل الكعبة المشرفة بالكامل، إلى جانب تلاشي ظلال الأجسام المرتفعة في مكة خلال تلك اللحظات القصيرة.
وأضاف أن هذه الظاهرة تتكرر مرتين سنويًا وفق الحسابات الفلكية الدقيقة، حيث يحدث التعامد الأول عادة في أواخر شهر مايو، وتحديدًا يومي 27 أو 28 مايو، عند الساعة 12:18 ظهرًا بتوقيت مكة المكرمة، بينما يأتي التعامد الثاني في منتصف يوليو يومي 15 أو 16 من الشهر نفسه، في تمام الساعة 12:27 ظهرًا.
وأكد أن ما يمنح ظاهرة هذا العام طابعها الاستثنائي هو تلاقي موعد التعامد الفلكي مع وقفة عرفات، في توافق نادر بين الحسابات السماوية والموسم الديني الأهم لدى المسلمين، ما يضفي على المشهد أجواء روحانية وعلمية في آن واحد.
ويُستخدم تعامد الشمس فوق الكعبة أيضًا في تحديد اتجاه القبلة بدقة في مختلف أنحاء العالم، إذ يمكن للمراقبين وقت التعامد توجيه مواقعهم نحو الشمس مباشرة لمعرفة الاتجاه الصحيح للقبلة، وهي طريقة يعتمد عليها مختصون في الرصد الفلكي منذ سنوات طويلة.
ويترقب المهتمون بعلوم الفضاء والفلك هذه اللحظة الفريدة التي تعكس دقة النظام الكوني، بينما يراها كثيرون مناسبة تجمع بين الإعجاز العلمي والرمزية الدينية في قلب أقدس بقاع الأرض.

