تسعى الحكومة العراقية إلى تنفيذ خطة شاملة لاستعادة هيبة الدولة، عبر مسارين متوازيين يتمثلان في حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، في خطوة يراها مراقبون من أوسع محاولات الإصلاح التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
وتأتي هذه التحركات في ظل متغيرات إقليمية ودولية، بالتزامن مع تصاعد المطالب الشعبية بإصلاح مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، ومحاسبة المتورطين في قضايا الفساد.
حصر السلاح بيد الدولة
يمثل ملف السلاح خارج إطار الدولة أحد أكثر الملفات تعقيدًا في العراق منذ عام 2003، إذ أدى انتشار الفصائل المسلحة إلى وجود مراكز نفوذ موازية للمؤسسات الرسمية، ما انعكس على المشهدين الأمني والسياسي.
وخلال الفترة الأخيرة، برزت مؤشرات على إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وعدد من الفصائل المسلحة، بعدما أعلنت بعض التشكيلات استعدادها للعمل ضمن الأطر الرسمية، بما يعزز احتكار الدولة لاستخدام القوة.
في المقابل، لا تزال فصائل أخرى ترفض التخلي عن سلاحها، معتبرة أنه يمثل عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع، وهو ما يجعل هذا الملف من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة العراقية.
دعم سياسي ومتابعة أمريكية
وتؤكد الحكومة العراقية أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أحد أهم محاور برنامجها الإصلاحي، فيما حظي هذا التوجه بدعم عدد من القوى السياسية، وفي مقدمتها "الإطار التنسيقي"، الذي شدد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يظل حكرًا على الدولة، وأن أي نشاط مسلح خارج المؤسسات الرسمية يتعارض مع مبادئ الدولة الدستورية.
ويرى متابعون أن هذا التوافق السياسي يمنح الحكومة مساحة أوسع للتحرك في أحد أكثر الملفات حساسية داخل العراق.
وفي السياق نفسه، رحبت الولايات المتحدة بالخطوات الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة، معتبرة أن تنظيم ملف السلاح يسهم في دعم الاستقرار وترسيخ سيادة القانون، ويعكس استمرار اهتمام واشنطن بمستقبل المنظومة الأمنية العراقية.
"صولة الفجر" لمكافحة الفساد
وبالتوازي مع الملف الأمني، أطلقت الحكومة العراقية، بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى، عملية "صولة الفجر"، التي تعد من أكبر الحملات الأمنية والقضائية لمكافحة الفساد خلال السنوات الأخيرة.
وأكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن الحملة تمثل بداية لمسار طويل يهدف إلى استعادة الأموال العامة ومحاسبة المتورطين، مشددًا على أن الفساد لن يكون محميًا بأي نفوذ سياسي أو إداري
.
وشهدت المرحلة الأولى تنفيذ أوامر ضبط وإحضار بحق مسؤولين وموظفين حكوميين وأعضاء حاليين وسابقين في مجلس النواب، بالتنسيق بين مجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة والأجهزة الأمنية.
وأعلنت السلطات العراقية القبض على 47 متهمًا، مع استمرار التحقيقات في ملفات أخرى، فيما حظيت الحملة بدعم عدد من القوى السياسية التي اعتبرتها خطوة مهمة لتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.
القضاء في قلب المواجهة
ولعب القضاء العراقي دورًا محوريًا في ملفات مكافحة الفساد، إذ بدأت التحقيقات في عدد من القضايا الكبرى منذ عام 2025، من بينها قضية وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي.
وبعد استكمال التحقيقات، أصدر رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان توجيهات بالتوسع في الإجراءات القضائية، ما مهد لإطلاق عملية "صولة الفجر"، التي أسفرت عن رفع الحصانة عن عدد من النواب وتنفيذ أوامر القبض بحقهم.
وأكد زيدان، خلال اجتماع للرئاسات الأربع، أن مكافحة الفساد لا تعرف خطوطًا حمراء، مشددًا على أن القضاء سيواصل أداء دوره في التحقيق وإصدار أوامر القبض بحق كل من تثبت مسؤوليته.
معركة واحدة
ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية تنظر إلى ملفي السلاح والفساد باعتبارهما وجهين لأزمة واحدة، إذ إن وجود السلاح خارج سلطة الدولة يحد من قدرة المؤسسات على فرض القانون، بينما يؤدي الفساد إلى إضعاف تلك المؤسسات من الداخل.
وبين هذين المسارين، تواجه بغداد اختبارًا حاسمًا لمدى قدرتها على تحويل الإجراءات الحالية إلى إصلاحات دائمة، تعيد للدولة احتكار استخدام القوة، وتعزز سيادة القانون، وتدعم بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقرارًا.

