محمد عبد المطلب.. من قرية في البحيرة إلى صوت الحارة المصرية وذاكرة «رمضان جانا»

محمد عبد المطلب

قبل أن يصبح صوته جزءًا من ذاكرة المصريين، وقبل أن تتحول أغانيه إلى علامات لا تغيب عن المناسبات والأعياد وشهر رمضان، كان محمد عبد المطلب شابًا بسيطًا يحمل حلمًا كبيرًا في عالم يمتلئ بالأصوات والنجوم، لم تأتِ شهرته فجأة، ولم يكن نجاحه وليد صدفة، بل كان ثمرة رحلة طويلة من الاجتهاد والتجارب والتحديات، بدأت من إحدى قرى محافظة البحيرة، وانتهت بأن أصبح واحدًا من أهم مطربي الأغنية الشعبية في مصر والعالم العربي.


وُلد محمد عبد المطلب عبد العزيز الأحمر عام 1910 في قرية شبراخيت بمحافظة البحيرة، ونشأ في أسرة محافظة، حيث حفظ القرآن الكريم في صغره، وهو ما ساعده على امتلاك قدرة خاصة على الأداء وضبط مخارج الحروف. 


ومنذ سنواته الأولى، انجذب إلى عالم الموسيقى والطرب، وكان يستمع بشغف إلى الأسطوانات والأغنيات التي تملأ المقاهي والبيوت في ذلك الزمن.


ومع تزايد حبه للفن، وجد الدعم من شقيقه الذي ساعده على الاقتراب من الوسط الفني، لينتقل إلى القاهرة ويبدأ خطواته الأولى في عالم الغناء، انضم في البداية إلى تخت الموسيقار الكبير داود حسني، ثم عمل في مسرح بديعة مصابني، قبل أن يلتحق بكورس الموسيقار محمد عبد الوهاب، وهي المرحلة التي شكلت جزءًا مهمًا من خبراته الفنية.


كانت المفارقة أن محمد عبد المطلب بدأ مشواره خلف محمد عبد الوهاب، لكنه استطاع مع مرور الوقت أن يصنع لنفسه شخصية غنائية مستقلة، فقد امتلك صوتًا قويًا وإحساسًا قريبًا من الناس، واستطاع أن يقدم الأغنية الشعبية بأسلوب مختلف يجمع بين الطرب الأصيل والبساطة التي تصل مباشرة إلى الجمهور.


وجاءت أغنية «بتسأليني بحبك ليه» لتكون نقطة تحول حقيقية في مسيرته، حيث حققت نجاحًا كبيرًا ولفتت الأنظار إلى موهبته، مؤكدة أنه لم يعد مجرد مطرب ضمن مجموعة، بل أصبح صاحب حضور خاص وجمهور واسع.


ومن أشهر الحكايات المرتبطة بحياته الفنية قصة أغنية «ساكن في حي السيدة»، التي خرجت من تجربة إنسانية مؤثرة، فقد تعرض عبد المطلب لأزمة صحية أثناء إحدى حفلاته في دار الأوبرا، حين اختنق صوته أمام الجمهور ولم يستطع استكمال الغناء، ما دفعه إلى الابتعاد فترة عن الأضواء. 


وخلال تلك الفترة، وجد في منطقة السيدة زينب ومسجد الإمام الحسين حالة من السكينة والراحة النفسية، وبعد استعادة صوته تحولت هذه التجربة إلى أغنية كتب كلماتها زين العابدين ولحنها محمد فوزي، لتصبح واحدة من أشهر أغانيه وأكثرها قربًا من الجمهور.


وإذا كان هناك عمل فني ارتبط باسم محمد عبد المطلب في وجدان المصريين، فهو بلا شك أغنية «رمضان جانا»، التي كتب كلماتها حسين طنطاوي ولحنها محمود الشريف، وتحولت الأغنية على مدار عقود طويلة إلى طقس سنوي يعلن قدوم شهر رمضان، حتى أصبح صوت عبد المطلب جزءًا من أجواء الشهر الكريم في مصر والعالم العربي.


وخلال مسيرته الفنية، قدم محمد عبد المطلب رصيدًا غنائيًا ضخمًا تجاوز ألف أغنية، من أبرزها: «ودع هواك»، و«يا أهل المحبة»، و«ما بيسألش عليا أبدا»، و«يا حاسدين الناس»، و«حبيتك وبحبك»، وغيرها من الأعمال التي ظلت حاضرة في ذاكرة الأجيال.


ولم يقتصر نشاطه على الغناء فقط، بل خاض تجربة السينما والإنتاج الفني، وشارك في عدد من الأفلام، كما أسهم في إنتاج أعمال سينمائية من بينها «الصيت ولا الغنى» و«خمسة من الحبايب»، وقد حظيت مسيرته بتقدير رسمي كبير، حيث حصل على وسام الجمهورية عام 1964 تكريمًا لعطائه الفني ودوره في إثراء الأغنية المصرية.


ورحل محمد عبد المطلب عام 1980، لكن صوته لم يغب عن الناس، فما زالت أغانيه تعيش في الذاكرة، وما زالت أعماله تُسمع في البيوت والشوارع والمناسبات المختلفة، ليبقى واحدًا من أهم الأصوات التي عبرت عن وجدان المصريين، وحملت روح الحارة والبساطة والحنين في زمن لا يُنسى.