قبل أن يسرق الضحكات من قلوب الملايين.. كان مقاتلًا يحمل السلاح دفاعًا عن الوطن، هكذا كانت البداية الحقيقية للفنان الراحل لطفي لبيب، الذي جمع في مسيرته بين شرف الجندية وموهبة الفن، ليصبح واحدًا من أبرز الفنانين الذين تركوا أثرًا إنسانيًا وفنيًا لا يُنسى.
تحل اليوم، 30 يوليو، الذكرى الأولى لرحيل الفنان الكبير لطفي لبيب، الذي رحل تاركًا خلفه إرثًا فنيًا حافلًا امتد لعقود، قدم خلالها مئات الأدوار التي صنعت مكانته الخاصة لدى الجمهور المصري والعربي، حتى بات حضوره على الشاشة علامة مميزة تجمع بين خفة الظل والصدق والبساطة.
ورغم أن الجمهور عرفه فنانًا بارعًا في الكوميديا والدراما، فإن كثيرين لا يعرفون أن حلمه بالفن تأجل سنوات طويلة، بعدما وضع واجبه الوطني في مقدمة أولوياته، فبعد تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1970، لم يتجه مباشرة إلى التمثيل، بل التحق بالقوات المسلحة، ليشارك ضمن أبطال حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، ويقضي ما يقرب من ست سنوات في الخدمة العسكرية.
لم تكن سنوات التجنيد مجرد فترة عابرة في حياة لطفي لبيب، بل شكلت جزءًا أصيلًا من تكوينه الإنساني والفكري، وظل يتحدث عنها بفخر طوال حياته، وقد وثق جانبًا من هذه التجربة في كتابه «الكتيبة 26»، الذي تناول فيه تفاصيل مشاركته في الحرب وما حملته من مواقف إنسانية ووطنية تركت أثرها العميق في وجدانه.
وبعد انتهاء خدمته العسكرية، لم يكن الطريق إلى الفن قد أصبح ممهدًا بعد، إذ سافر خارج مصر لمدة أربع سنوات، لتتأجل انطلاقته الفنية مرة أخرى، لكنه ظل متمسكًا بحلمه الذي انتظر طويلًا حتى يتحقق.
ولد لطفي لبيب في مركز ببا بمحافظة بني سويف، وحصل على ليسانس الآداب قبل التحاقه بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وكان يمتلك منذ سنوات شبابه شغفًا كبيرًا بالفن والمسرح، وعندما عاد إلى مصر، بدأ خطواته الأولى على خشبة المسرح، فشارك في عدد من الأعمال المسرحية، من بينها «المغنية الصلعاء» و«الرهائن»، لتكون بوابته الحقيقية نحو عالم التمثيل.
ومع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بدأت رحلته الفنية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود، استطاع خلالها أن يقدم مئات الشخصيات المختلفة، دون أن يقع في فخ التكرار. فبرغم مشاركته في أدوار مساندة كثيرة، نجح في أن يجعل من كل ظهور له مساحة خاصة يترك فيها بصمته لدى الجمهور.
وشارك لطفي لبيب في عدد هائل من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات التي حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وتميز بقدرته الفريدة على الانتقال بسلاسة بين الكوميديا والدراما، فكان قادرًا على إضحاك الجمهور وإبكائه في المشهد ذاته، بفضل أدائه العفوي وإحساسه الصادق بالشخصيات التي يقدمها.
ولم يقتصر عطاؤه على التمثيل فقط، إذ اهتم أيضًا بأعمال الأطفال، فكتب عددًا من النصوص الخاصة بهم، وساهم في إنتاجها، إيمانًا منه بأهمية تقديم محتوى فني وإنساني يخاطب الأجيال الجديدة.
وفي مثل هذا اليوم من العام الماضي، غاب لطفي لبيب بجسده، لكنه بقي حاضرًا بأعماله ومواقفه الإنسانية والوطنية، فقصته لم تكن مجرد حكاية فنان ناجح، بل رحلة استثنائية لرجل حمل السلاح دفاعًا عن وطنه، ثم حمل موهبته ليمنح البهجة لملايين المشاهدين، ليظل اسمه محفورًا في ذاكرة الفن المصري كأحد أكثر الفنانين قربًا من قلوب الناس.



