أكد الدكتور محمد العزبي، الباحث في العلاقات الدولية، أن المنطقة تمر بمرحلة فارقة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة السياسية، والانضباط الإعلامي، والالتزام بالقانون الدولي، حفاظًا على أمن الشعوب واستقرار الدول، وذلك في ضوء التطورات المتلاحقة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وما تشهده الساحة الإقليمية من تصاعد في حدة التوتر بين إسرائيل وإيران، وما يصاحب ذلك من مؤشرات على اتساع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية.
وأوضح العزبي، في تصريحات خاصة لـ «الراية نيوز»، أن الأزمة في الشرق الأوسط تجاوزت نطاق المواجهة المباشرة بين أطرافها، وأصبحت ذات أبعاد إقليمية ودولية معقدة، تمتد آثارها إلى أمن الطاقة العالمي، وسلامة الممرات البحرية، وحركة التجارة الدولية، فضلاً عن انعكاساتها المباشرة على الاقتصاد العالمي، مشددًا على أن أي تصعيد إضافي لن يؤدي إلا إلى تعميق حالة عدم الاستقرار، وإطالة أمد الأزمات التي تعاني منها المنطقة.
وفي هذا السياق، شدد الخبير في العلاقات الدولية على أن الدولة المصرية تتعامل مع هذه التطورات من منطلق رؤية استراتيجية راسخة، تقوم على حماية الأمن القومي المصري باعتباره أولوية لا تعلو عليها أية اعتبارات، مع الاستمرار في دعم كل الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمات ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع.
حادث ميناء دمياط وانضباط الخطاب الإعلامي
وفيما يتعلق بما أُثير بشأن الحادث المرتبط بميناء دمياط، أشار العزبي في تصريحاته لـ «الراية نيوز» إلى أن المصلحة الوطنية تقتضي الالتزام الكامل بما يصدر عن الجهات المصرية المختصة من بيانات ومعلومات، مؤكدًا أنه لا ينبغي الانسياق وراء التكهنات أو تداول روايات غير موثقة أو تبني استنتاجات لم تثبتها التحقيقات الرسمية.
وأضاف أن احترام مؤسسات الدولة وثقة المواطنين في قدرتها على إدارة الأزمات يمثلان عنصرًا أساسيًا في تعزيز الجبهة الداخلية، خاصة في أوقات التوتر الإقليمي.
ولفت الباحث في العلاقات الدولية إلى أن الحفاظ على الأمن القومي لا يقتصر على الإجراءات العسكرية والأمنية فحسب، بل يشمل أيضًا الوعي المجتمعي، والانضباط الإعلامي، والتعامل المسؤول مع المعلومات، موضحة أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، وإنما أصبحت الحرب المعلوماتية والشائعات واستهداف الوعي العام من أخطر أدوات الصراع، وهو ما يفرض مسؤولية مشتركة على الجميع في تحري الدقة وعدم تداول معلومات غير مؤكدة.
السياسة المصرية وقدرة المؤسسات الوطنية
وعن أدوار القاهرة الإقليمية، أشار العزبي إلى أن السياسة المصرية طوال السنوات الماضية اتسمت بالاتزان والقدرة على إدارة التوازنات الإقليمية، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، ورفض الانخراط في سياسات الاستقطاب أو التصعيد، وهو ما عزز من مكانة مصر باعتبارها طرفًا مسؤولًا يسعى إلى التهدئة وإيجاد حلول سياسية للنزاعات، دون التفريط في ثوابتها أو مصالحها العليا.
وتابع تصريحاته موضحًا أن مصر تمتلك مؤسسات وطنية قوية وقادرة على تقييم الموقف بصورة مستمرة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية أراضيها وحدودها ومنشآتها الحيوية، وفقًا لما تقتضيه اعتبارات الأمن القومي، مؤكدًا أن الثقة في كفاءة هذه المؤسسات تبقى عاملًا رئيسيًا في مواجهة التحديات الراهنة.
واستطرد العزبي موضحًا أن المرحلة الحالية تتطلب خطابًا وطنيًا مسؤولًا، يوازن بين حق الرأي العام في المعرفة وبين مقتضيات الأمن القومي، بعيدًا عن التهويل أو التقليل من شأن الأحداث، مشددًا على أن المعلومات الدقيقة الصادرة عن المؤسسات الرسمية هي الأساس الذي ينبغي البناء عليه، أما ما عدا ذلك فيظل محل تحقق وتدقيق حتى تتضح الحقائق كاملة.
تداعيات المواجهة الإقليمية ودور الإعلام
وعلى صعيد الصراع الإقليمي، رأى الباحث في العلاقات الدولية أن استمرار المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران لن يحقق استقرارًا دائمًا، بل سيؤدي إلى مزيد من التوتر، ويزيد من احتمالات اتساع دائرة الصراع، بما يهدد الأمن الإقليمي ويؤثر في مصالح شعوب المنطقة، مؤكدًا أن العودة إلى المسار السياسي والدبلوماسي تظل الخيار الأكثر عقلانية، بما يحقق خفض التصعيد ويجنب المنطقة تداعيات لا تُحمد عقباها.
ودعا العزبي، عبر «الراية نيوز»، وسائل الإعلام والباحثين والمتابعين إلى ممارسة أعلى درجات المسؤولية المهنية، والتمييز بين الخبر المؤكد والتحليل، والالتزام بالمصادر الرسمية فيما يتعلق بالقضايا ذات الطبيعة الأمنية، لأن الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية يمثل أحد أهم عناصر قوة الدولة في مواجهة التحديات.
واختتم الدكتور محمد العزبي تصريحاته الخاصة لتأكيد ثقته الكاملة في قدرة الدولة المصرية، قيادةً ومؤسساتٍ وشعبًا، على التعامل مع المستجدات الإقليمية بكفاءة واقتدار، وعلى حماية الأمن القومي المصري بكل أبعاده، مع استمرارها في أداء دورها التاريخي كركيزة للاستقرار الإقليمي، وداعم رئيسي للحلول السلمية واحترام سيادة الدول وعدم توسيع نطاق الصراعات.

