الترسانة المرعبة.. كيف تحول "ميراث ستالين" إلى ذراع الصين الصاروخية العابرة للقارات؟

صواريخ صينية

أعادت التجربة الصاروخية الاستراتيجية التي أجرتها الصين، أمس الإثنين، إلى الواجهة قصة واحد من أهم وأخطر برامج التسلح في القرن العشرين؛ وهو البرنامج الذي بدأ بتكنولوجيا سوفيتية نقلها الزعيم الراحل جوزيف ستالين إلى بكين، قبل أن يتحول خلال عقود قليلة إلى أحد أكثر البرامج الصاروخية تطوراً في العالم، وقدرة على ضرب أهداف تبعد آلاف الكيلومترات.


​وكانت البحرية الصينية قد نفذت بنجاح تجربة إطلاق صاروخ باليستي "استراتيجي" من متن غواصة تعمل بالطاقة النووية في المحيط الهادئ. وأفادت بكين بأن الصاروخ حمل رأساً حربياً تدريبياً وأصاب هدفه بدقة، مما فجّر ردود فعل دولية متباينة؛ فبينما دافعت روسيا عن الخطوة مؤكدة أن بكين لا تشكل تهديداً للعالم ومن حقها اختبار قدراتها، حثت اليابان جارتها الصينية على التراجع عن هذه التجارب، في وقت أعرب فيه مسؤولون أمريكيون عن قلقهم البالغ من التصعيد العسكري السريع.


ميراث الحرب الباردة و"البصمة النازية"

​تعود جذور البرنامج الصاروخي الصيني إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما شرعت بكين ـ بدعم تقني من الاتحاد السوفيتي ـ في وضع اللبنات الأولى لصواريخها الباليستية. ففي حقبة "ماو تسي تونغ"، وعقب توقيع معاهدة الصداقة والتحالف المشترك بين البلدين، وافق جوزيف ستالين على نقل تكنولوجيا صاروخي "آر 1" و"آر 2" السوفيتيين إلى الصين، لتبدأ من هنا ولادة عائلة صواريخ "دونغ فينغ" (رياح الشرق)، وتحديداً الطراز الأول "DF-1".


​والمفارقة التاريخية أن صاروخ "دونغ فينغ 1" كان بمثابة نسخة صينية مرخصة من الصاروخ السوفيتي "آر 2"، والذي كان هو الآخر نسخة مطورة ومقلدة من صاروخ "V-2" الأماني الشهير الذي أنتجه النازيون خلال الحرب العالمية الثانية. وفي نوفمبر من عام 1960، نجحت بكين في تجربة هذا الصاروخ لأول مرة، لكن مع تدهور العلاقات السوفيتية الصينية وتصاعد الخلافات الأيديولوجية في عهد "نيكيتا خروتشوف"، قررت جمهورية الصين الشعبية الاعتماد على الذات والبحث عن مسار محلي مستقل لتطوير ترسانتها.


الستينيات.. الصواريخ المتوسطة تهدد القواعد الأمريكية

​خلال حقبة الستينيات، واصل الخبراء الصينيون العمل بشكل منفرد، وأثمرت جهودهم عن إنتاج صاروخ "دونغ فينغ 2" كنسخة محلية شبيهة بصاروخ "آر 5 بوبيدا" السوفيتي. وبلغ طول هذا الصاروخ 20.6 متر، ووزنه عند الإطلاق 32 طناً، حاملاً رأساً متفجراً بزنة 1500 كيلوغرام. وتمكن الصينيون من زيادة مدى الصاروخ ليصل إلى 1050 كيلومتراً، مما وضع القواعد الأمريكية في اليابان لأول مرة في مرمى النيران الصينية.


​ورغم فشل التجربة الأولى للصاروخ عام 1962 عند منصة الإطلاق، لم يتوقف التطوير الصيني؛ حيث نجحوا عام 1966 في إطلاق نسخة معدلة ومحسنة وصل مداها إلى 1250 كيلومتراً.


زلزال 1964.. اقتحام النادي النووي وعصر الصواريخ العابرة للقارات

​في أكتوبر من عام 1964، أصابت الصين العالم بالذهول عقب إعلانها رسمياً إجراء أولى تجاربها النووية الناجحة، لتدخل بذلك "النادي النووي" من أوسع أبوابه. وفور إثبات قدرتها النووية، باشرت بكين أبحاثاً مكثفة للحصول على صواريخ باليستية عابرة للقارات لحمل هذه الرؤوس الفتاكة، فكانت الولادة التاريخية لمشروع الصاروخ العملاق "دونغ فينغ 5" (DF-5) الذي أجريت أولى تجارب طيرانه قصيرة المدى عام 1971.


​وفي منتصف مايو من عام 1980، أتمت الصين التجربة الكاملة للصاروخ بنجاح، حيث حلق فوق جنوب المحيط الهادئ محققاً مدى ناهز 9 آلاف كيلومتر. وبحلول عام 1981، دخل الصاروخ الخدمة الفعلية رسمياً، لتصبح الصين خامس دولة في العالم (بعد الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وبريطانيا، وفرنسا) تمتلك صواريخ باليستية عابرة للقارات.

وتؤكد مصادر استخباراتية أمريكية حالياً أن التحديثات الصينية المتعاقبة على هذا الطراز رفعت مداه ليتجاوز 13 ألف كيلومتر، ليمثل اليوم العمود الفقري لقوة الردع الصينية في مواجهة الغرب.