كتبت شيماء حمدالله
استدعت أوزبكستان السفير الإيراني لدى طشقند، احتجاجًا على منشورات دبلوماسية نسبت معالم تاريخية في مدينة سمرقند، بينها ساحة ريغستان الشهيرة، إلى الجذور الفارسية، في خلاف تجاوز مواقع التواصل الاجتماعي إلى العلاقات الدبلوماسية، وأعاد الجدل حول الهوية الثقافية والتراث التاريخي لآسيا الوسطى.
أوزبكستان تستدعي السفير الإيراني بسبب منشورات عن سمرقند
استدعت وزارة الخارجية الأوزبكية، في 23 أكتوبر 2026، السفير الإيراني لدى طشقند محمد علي إسكندري، وسلمته مذكرة احتجاج على منشورات نشرتها بعثات دبلوماسية إيرانية عبر منصة «إكس»، تناولت الهوية التاريخية والثقافية لمدينة سمرقند ونسبت معالم فيها إلى التراث الفارسي.
وطالبت طشقند بحذف المنشورات المعنية واتخاذ إجراءات تحول دون تكرار مثل هذه الوقائع، مؤكدة أن التراث التاريخي والثقافي لسمرقند وبخارى وخيوة يعكس قرونًا من تطور الدولة والثقافة في أوزبكستان وآسيا الوسطى.
وركزت وسائل إعلام أوزبكية، بينها «غازيتا.أوز» و«داريو» و«أوزديلي» و«طشقند تايمز»، على رفض ما وصفته بتقديم روايات أحادية عن تاريخ المدينة وتسييس التراث الوطني، خصوصًا عندما تصدر هذه التفسيرات عن حسابات رسمية لبعثات دبلوماسية أجنبية.
زيارة ماركو روبيو إلى سمرقند أشعلت الخلاف
بدأت القضية عقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى سمرقند في 19 أكتوبر 2026، إذ نشر مقطعًا مصورًا من ساحة ريغستان التاريخية، وتحدث عن الدور الذي أدته المدينة عبر التاريخ في التجارة والتبادل العالميين.
وعقب الزيارة، نشرت بعثات دبلوماسية إيرانية، بينها سفارات إيران في أرمينيا وبلغاريا وزيمبابوي وجنوب أفريقيا، تعليقات وصورًا ومقاطع مصورة لروبيو أمام المعالم التاريخية للمدينة.
وتضمنت بعض المنشورات إشارات إلى الجذور الفارسية لسمرقند، أو ربط ساحة ريغستان بالتراث الإيراني، إلى جانب تعليقات تناولت الحضارة الفارسية وتصريحات روبيو بشأن تاريخها.
واعتبرت طشقند أن هذه المنشورات تقدم تفسيرًا أحاديًا لهوية المدينة، مؤكدة أن تاريخ سمرقند جزء من التراث الأوزبكي، وأن القضايا التاريخية والثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للسجال السياسي.
ما حقيقة الجذور التاريخية لساحة ريغستان؟
تحتل ساحة ريغستان مكانة بارزة في تاريخ سمرقند، باعتبارها واحدة من أشهر مجموعات العمارة الإسلامية في آسيا الوسطى، وتضم ثلاث مدارس تاريخية تعكس مراحل مختلفة من تطور المدينة.
وشُيدت مدرسة أولوغ بيك بين عامي 1417 و1420، بينما أُقيمت مدرستا شيردار وتيلا كاري خلال القرن السابع عشر، في عهد حكام أوزبك.
ويرتبط هذا الإرث بالعصر التيموري وما تلاه من مراحل تاريخية، ضمن بيئة حضارية تفاعلت فيها التقاليد التركية والمغولية والعربية والفارسية.
لذلك، فإن تاريخ سمرقند يعكس تداخل تأثيرات ثقافية متعددة، ولا يمكن اختزال جميع معالمها في هوية حضارية واحدة أو نسبتها إلى مرحلة تاريخية منفردة.
ويتمحور الخلاف بين طشقند وطهران حول طريقة عرض هذا الإرث التاريخي والجهة التي تتولى تقديمه في الخطاب العام، وليس مجرد وجود تأثيرات فارسية في تاريخ المنطقة.
السفارة الإيرانية في أرمينيا تحذف منشورًا مثيرًا للجدل
في تطور لاحق، أفادت وسائل إعلام أوزبكية، في 26 أكتوبر 2026، بأن السفارة الإيرانية في أرمينيا حذفت منشورًا أثار جدلًا بشأن التراث التاريخي لسمرقند، عقب اعتراض طشقند.
لكن التقارير المتاحة لم تؤكد حذف جميع المنشورات التي طالبت أوزبكستان بإزالتها، ما أبقى الخلاف قائمًا بشأن مدى استجابة البعثات الدبلوماسية الإيرانية للمطالب الأوزبكية.
أوزبكستان تتمسك بهويتها الثقافية وتدعو لاحترام العلاقات مع إيران
رغم الاحتجاج الرسمي، أكدت طشقند حرصها على استمرار العلاقات مع إيران على أساس الاحترام والثقة المتبادلين، مع رفض التفسيرات الأحادية للتراث التاريخي والثقافي الأوزبكي.
ويعكس الخلاف حساسية ملف الهوية الحضارية في آسيا الوسطى، حيث تداخلت عبر قرون تأثيرات ثقافية ولغوية وسياسية متعددة، وأسهمت في تشكيل المدن التاريخية ومعالمها المعمارية.
وبينما تتمسك أوزبكستان بحقها في تقديم تراث سمرقند ضمن سياقه التاريخي الوطني، تستند الإشارات الإيرانية إلى الروابط الثقافية الفارسية التي تركت آثارًا في المنطقة. ويظل التحدي الدبلوماسي في إدارة هذا التباين دون تحويل التاريخ المشترك إلى مصدر للتوتر السياسي بين البلدين.



