قطارات وشخصيات سياسية ومخططات اغتيال ترفع خطر التصعيد في أوروبا... هجمات روسية على أبواب الناتو

تصعيد بين روسيا والغرب

كتبت شيماء حمدالله 


تتزايد المخاوف الأوروبية والأمريكية من اتساع نطاق التحركات الروسية خارج ساحات القتال في أوكرانيا، بعدما ارتبطت موسكو خلال أسابيع قليلة بسلسلة من الهجمات والمخططات التي كان من الممكن أن تؤدي إلى تصعيد خطير بين روسيا والغرب، بالتزامن مع محاولات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياء مسار مفاوضات السلام لإنهاء الحرب.


وشملت التطورات ضربة بطائرة مسيرة استهدفت قطارًا قرب الحدود الأوكرانية-البولندية، في منطقة كانت قد مرت منها بعثة تضم مسؤولين ودبلوماسيين أوروبيين، إلى جانب إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تعرض طائرة حكومته للاستهداف في مولدوفا، فضلًا عن كشف وزارة العدل الأمريكية عن مخطط منسوب لعناصر في الاستخبارات الروسية لتجنيد قتلة لاستهداف منشقين ومعارضين في عدد من الدول.


ضربة روسية تستهدف قطارًا قرب الحدود البولندية


شكل الهجوم الروسي بطائرة مسيرة على قطار قرب الحدود الأوكرانية-البولندية، فجر الأحد، أحد أبرز التطورات التي أثارت مخاوف أمنية في أوروبا.


وبحسب مسؤولين، دمرت الضربة قاطرة على جزء من خط السكك الحديدية، بعد وقت قصير من مرور بعثة تضم دبلوماسيين ومسؤولين أوروبيين كبارًا سابقين، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، عقب مشاركتهم في مؤتمر استراتيجية يالطا الأوروبية السنوي في كييف.


كما كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الأسبق ديفيد بترايوس ومسؤولان سابقان آخران في الوكالة على متن قطار منفصل، قبل أن يتم إجلاؤهم قبل دقائق من وقوع الانفجار، وفق المسؤولين.


ويرى مسؤولون سابقون وخبراء أن موسكو ربما كانت تسعى إلى إرسال رسالة ترهيب، إلا أن خطأ بسيطًا في توقيت الضربة أو تحديد الإحداثيات كان يمكن أن يؤدي إلى سقوط عشرات القتلى، بما قد يفتح الباب أمام رد أمريكي وأوروبي وتصعيد أوسع للحرب.


استهداف طائرة زيلينسكي في مولدوفا


وجاءت واقعة القطار بعد أيام من إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن طائرات مسيرة روسية استهدفت طائرته الحكومية على مدرج في مولدوفا، أثناء توجهه لحضور جنازة ملك النرويج في التاسع من سبتمبر.


وتكتسب الواقعة أهمية إضافية بسبب موقع مولدوفا الجغرافي وقربها من مسرح العمليات الأوكرانية، إلى جانب ارتباطها بالتطورات الأمنية المتزايدة في المنطقة.


واشنطن تكشف مخططًا روسيًا لتجنيد قتلة


على الجانب الآخر، كشفت الحكومة الأمريكية، الثلاثاء، عن تطور جديد يتعلق بما وصفته بمخطط روسي يستهدف خصوم موسكو خارج روسيا.


واتهمت لائحة اتهام جنائية كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية عناصر في أجهزة الاستخبارات الروسية باستخدام تطبيقات اتصالات مشفرة لتجنيد قتلة بهدف اغتيال منشقين أو منتقدين لموسكو.


وبحسب لائحة الاتهام المقدمة أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، جرت اتصالات في أواخر أغسطس بين عملاء يُزعم وجودهم في روسيا وشخص يقيم في الولايات المتحدة لم تحدد هويته، وذلك في إطار مخطط لـ"تصفية" أو "إخفاء" منشق روسي في واشنطن.


وتشير اللائحة أيضًا إلى سعي الشبكة لتجنيد قاتل لاستهداف منشق روسي في ليتوانيا، إلى جانب تجنيد أشخاص لتنفيذ هجمات إرهابية في جمهورية التشيك.


مخاوف أوروبية من الهجمات الهجينة الروسية


تزامنت هذه التطورات مع تحذيرات أوروبية من تصاعد ما يوصف بالتهديد الروسي الهجين.


وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، من أن "التهديد الروسي الهجين يتصاعد" خلال الأسابيع الأخيرة، فيما حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الخميس، من احتمال شن روسيا هجمات هجينة باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ ضد دول حلف شمال الأطلسي، مع تقديمها على أنها حوادث عرضية.


وتضع هذه التحذيرات الأجهزة الأمنية الأوروبية في حالة تأهب، خصوصًا مع تنامي المخاوف من انتقال بعض أدوات الصراع الروسي الأوكراني إلى دول أوروبية خارج ساحة المعارك المباشرة.


طائرات مسيرة متطورة تغير طبيعة الحرب


ويربط مسؤولون وخبراء بين التطورات الأخيرة وبين التطور المتزايد في القدرات العسكرية الروسية، خصوصًا في مجال الطائرات المسيرة.


وبحسب هذه التقديرات، طورت روسيا طائرات مسيرة تعمل بمحركات نفاثة، تتميز بسرعة أعلى وقدرة على التحليق على ارتفاعات تجعل اعتراضها أكثر صعوبة بالنسبة إلى أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية.


كما ساهم تراكم الخبرة العملياتية في تقليص بعض الثغرات التي ظهرت خلال المراحل الأولى من الحرب، عندما كانت روسيا تواجه صعوبات أكبر في استهداف أهداف متحركة، بينها القطارات، نتيجة القيود التقنية وقلة خبرة القائمين على توجيه الضربات.


مخططات سابقة تثير مخاوف أمريكية وأوروبية


ولا تأتي التطورات الحالية بمعزل عن عمليات سابقة نُسبت إلى روسيا خلال السنوات الأخيرة.


ففي عام 2024، استخدمت وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية "جي آر يو" عملاء جرى تجنيدهم عبر الإنترنت ضمن مخطط لوضع أجهزة حارقة على متن طائرات شحن، ما أدى إلى اشتعال طرود في بريطانيا وبولندا وألمانيا.


وأثارت احتمالات وقوع انفجارات على متن طائرات الشحن العابرة للمحيط الأطلسي مخاوف لدى إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، إلى درجة مشاركة مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان في توجيه تحذيرات إلى نظرائهما في الكرملين.


وفي الشهر الماضي، عثرت السلطات الألمانية على طائرة مسيرة تحمل متفجرات بالقرب من طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ.


الحرب الأوكرانية تتجه إلى ضربات أبعد مدى


وبينما ظلت خطوط المواجهة البرية في أوكرانيا مجمدة إلى حد كبير، باتت الحرب تتخذ بصورة متزايدة شكلًا مختلفًا يعتمد على الضربات بعيدة المدى التي ينفذها الطرفان بهدف تعطيل قدرات الخصم واستنزافه.


وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الطائرات المسيرة المتطورة والخبرة المتراكمة في تنفيذ الضربات قلصتا بعض القيود التي كانت تحد من قدرة روسيا على الوصول إلى أهداف متحركة أو بعيدة.


ويأتي ذلك كله في وقت تحاول فيه إدارة ترامب إعادة تحريك مفاوضات السلام، ما يجعل أي حادث يؤدي إلى سقوط قتلى في دول أوروبية أو بين مسؤولين غربيين عاملًا محتملًا في زيادة حدة التوتر بين موسكو والغرب وتعقيد المسار الدبلوماسي المرتبط بالحرب في أوكرانيا.