غضب الغلاء يجتاح أوروبا.. أزمة السكن تشعل الاحتجاجات من مدريد إلى لشبونة وميلانو وباريس

احتجاجات فرنسا

كتبت شيماء حمدالله 


تتسع موجة الاحتجاجات في أوروبا مع تفاقم أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة، وسط تراجع قدرة الأسر على تحمل الإيجارات والأسعار وتزايد الغضب من السياسات الحكومية. 


فمن إسبانيا والبرتغال إلى إيطاليا وفرنسا، تتصاعد التحركات الشعبية للمطالبة بمساكن ميسورة التكلفة وأجور تتناسب مع الاحتياجات اليومية، فيما تحولت بعض المسيرات إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال شغب وتخريب.


وتكشف الاحتجاجات عن أزمة تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى تساؤلات أوسع بشأن قدرة الحكومات الأوروبية على توفير الاستقرار الاجتماعي وتحسين الخدمات العامة، في وقت تتباين فيه الحلول المطروحة بين ضبط الإيجارات وزيادة المعروض من المساكن وتشديد الإجراءات الأمنية وفتح قنوات للحوار.


أزمة السكن في إسبانيا تشعل المواجهة السياسية


تحولت أزمة الإسكان في إسبانيا إلى محور رئيسي للاحتجاجات، بعدما أثارت قضية إخلاء ماريا ديل كارمن أباسكال، البالغة 87 عامًا، من منزلها في مدريد غضبًا واسعًا، وأعادت ملف حقوق المستأجرين إلى صدارة النقاش العام.


وامتدت الضغوط إلى البرلمان الإسباني، حيث سقطت حزمة حكومية طارئة لمعالجة الأزمة، بالتزامن مع تجمع متظاهرين أمامه للمطالبة بتوفير الحماية للمستأجرين.


وأعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إجراء انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر، لتصبح أزمة السكن أحد الملفات الرئيسية في المنافسة السياسية، وسط خلافات بشأن السياسات الأنسب لاحتواء ارتفاع الإيجارات وتوفير وحدات سكنية جديدة.


وتدفع الحكومة باتجاه ضبط الإيجارات وتقييد بعض المشتريات العقارية للشركات، بينما تراهن المعارضة على تسريع البناء وتخفيف قيود التخطيط لزيادة المعروض من المساكن.


ويعكس هذا الخلاف صعوبة معالجة الأزمة، في ظل نقص العمالة وتعثر مشروعات البناء وارتفاع الطلب على السكن في المدن وانتشار الإيجارات قصيرة الأجل. وبين حماية المستأجرين وزيادة الوحدات المتاحة، لا يزال الجدل قائمًا بشأن قدرة السياسات المقترحة على تحقيق التوازن بين الطرفين.


 لشبونة تشهد اعتصامًا للمطالبة بالسكن الميسر


امتدت احتجاجات أزمة الإسكان إلى البرتغال، حيث نصب محتجون عشرات الخيام في ساحة روسيو وسط العاصمة لشبونة، وقضى مئات الشباب ليلتهم في المكان، مستلهمين جانبًا من تحركات الإسكان التي شهدتها إسبانيا.


وطالب المعتصمون بوضع حدود للإيجارات وتعديل تشريعات التأجير وزيادة المساكن العامة، وفقًا لوكالة الأنباء الإسبانية «إفي».


وجاء التحرك عقب مسيرة نظمتها الكونفدرالية العامة للعمال البرتغاليين يوم السبت، احتجاجًا على الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، في مؤشر على ارتباط أزمة السكن بمطالب اقتصادية واجتماعية أوسع.


وفي مواجهة الاحتجاجات، أكد وزير الشؤون البرلمانية البرتغالي كارلوس أبرو أموريم بدء تنفيذ إجراءات لمعالجة المخاوف المطروحة، لكنه شدد على أن الحكومة لن ترضخ لهتافات الشارع.


 أسعار المنازل في أوروبا ترتفع 53% خلال عقد


تكشف بيانات البرلمان الأوروبي عن حجم الضغوط التي تواجه الأسر في سوق الإسكان، إذ ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بمتوسط 53% بين عامي 2015 و2024، بينما سجلت البرتغال زيادة بلغت نحو 124.4% خلال الفترة نفسها.


وتوضح هذه الأرقام أن أزمة السكن لا ترتبط فقط بالزيادات الجديدة في الأسعار، بل بتراكم ارتفاعات جعلت امتلاك منزل أو استئجاره أكثر صعوبة بالنسبة إلى شرائح واسعة من السكان.


كما انعكست الأزمة على قرارات حياتية أساسية، مثل الاستقلال عن الأسرة وتأسيس منزل جديد والقدرة على التخطيط للمستقبل، ما دفع المحتجين إلى المطالبة بتعامل حكومي أوسع مع الإسكان باعتباره قضية اجتماعية، وليس مجرد ملف اقتصادي.


 ميلانو تتحول إلى ساحة مواجهات بسبب الغلاء


في إيطاليا، تصاعد التوتر خلال مسيرة شهدتها مدينة ميلانو احتجاجًا على الحروب وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تتحول إلى مواجهات وأعمال تخريب شملت إحراق حواجز وإلحاق أضرار بالممتلكات.


وردت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المحتجين، فيما أدانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أعمال العنف، مع تأكيدها حق المواطنين في التظاهر.


من جانبه، اعتبر رئيس بلدية ميلانو جوزيبي سالا أن دوافع الاحتجاج مفهومة، لكنه رفض الاعتداءات والأضرار التي لحقت بالمدينة.


ولم تتوقف الاضطرابات عند مسيرة السبت، إذ تجددت الاشتباكات يوم الأحد قرب ساحة الدومو، حيث حطم ملثمون واجهات متاجر وأشعلوا حاويات قمامة. واقتيد أكثر من 60 شخصًا إلى مراكز الشرطة لإجراء مزيد من التحقق، وفقًا لرويترز.


وامتدت الاضطرابات إلى بولونيا وبريشا وبرغامو وتورينو، ما دفع ميلوني إلى الإعلان عن اجتماع حكومي لمناقشة تطورات الوضع، في وقت اتسع فيه نطاق التحركات إلى مدن أخرى في شمال البلاد.


 فرنسا تواجه احتجاجات وأعمال شغب بسبب المدارس والخدمات


بالتزامن مع التحركات في إيطاليا، شهدت فرنسا احتجاجات تداخل فيها الغضب من تكاليف المعيشة مع المطالب بتحسين أوضاع المدارس والخدمات العامة، وسط أعمال شغب ونهب واعتداءات على مبانٍ عامة.


وأُعلن عن اعتقال ما لا يقل عن 2400 شخص، فيما اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجموعات من أقصى اليسار بالمسؤولية عن جانب كبير من أعمال العنف، وتعهد بمحاسبة المتورطين عقب اجتماع طارئ مع كبار المسؤولين.


وبالتوازي مع الإجراءات الأمنية، دعا ماكرون إلى إطلاق مسار للحوار يجمع الطلاب والمعلمين والنقابات والمشرعين وممثلي قطاع الأعمال خلال الأسبوع، بهدف إعداد مقترحات عملية للتعامل مع المطالب المطروحة.


كما أمر بمراجعة آليات جمع المعلومات والاستعدادات الأمنية التي سبقت الاضطرابات، مع إتاحة حظر بعض التجمعات عند الضرورة، وفقًا لرويترز.


 هل تنجح الحكومات الأوروبية في احتواء غضب الشارع؟


تكشف الاحتجاجات الممتدة من مدريد إلى لشبونة وميلانو وباريس عن ضغوط متزايدة تواجه الحكومات الأوروبية، رغم اختلاف أسباب التحركات وتفاصيلها من دولة إلى أخرى.


ففي إسبانيا، انتقلت أزمة السكن إلى قلب المنافسة الانتخابية، بينما اتخذت المطالب في البرتغال شكل اعتصامات تطالب بإصلاح سوق الإيجارات. أما إيطاليا وفرنسا، فقد واجهتا تصعيدًا أمنيًا وسياسيًا بعد اندلاع أعمال عنف خلال بعض التحركات.


وتشير هذه التطورات إلى أن احتواء الغضب الشعبي لن يعتمد على التصريحات الحكومية أو الإجراءات الأمنية وحدها، بل على قدرة السياسات المعلنة على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين.


فالمطالب الأساسية تتقاطع حول توفير مسكن يمكن تحمل تكلفته، وأجور تغطي الاحتياجات اليومية، ومدارس وخدمات عامة تستجيب لتطلعات السكان. 


وبين الوعود السياسية والنتائج الفعلية، يبقى اختبار الحكومات الأوروبية مرتبطًا بمدى قدرتها على تخفيف الأعباء الاقتصادية واستعادة ثقة الشارع.