"مجموعة السبع".. كيف فرض ترامب كلمته على أزمة حرب إيران؟

مجموعة السبع

أعادت الولايات المتحدة وإيران فتح مضيق هرمز الاستراتيجي بموجب اتفاق لوقف القتال جرى التوصل إليه مطلع الأسبوع الحالي، وهو ما بث موجة تفاؤل حذرة في الأسواق العالمية. ورغم هذا الانفراجة، أكدت وكالة "رويترز" أن تداعيات الحرب تركت أثرها واضحا على جسد الاقتصاد العالمي؛ حيث تسببت في قفزة حادة بأسعار الطاقة، وتجدد الضغوط التضخمية، و إثارة مخاوف حقيقية من أزمة غذاء طاحنة تهدد الدول النامية.


​وأمام هذه الضربات التضخمية، بدات البنوك المركزية الكبرى التحرك لتشديد سياستها النقدية، حيث رفع البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان أسعار الفائدة الأسبوع الماضي. وفي سياق متصل، لم يخفِ رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، استياءه من وطأة الحرب على تكاليف الطاقة، بينما حذرت نظيرته الإيطالية، جورجيا ميلوني، من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية القاسية للأزمة. وجدير بالذكر أن موجة الغلاء في الوقت الحالي كلفت القادة الأوروبيين الكثير من شعبيتهم، ولا سيما ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.


مراعاة ترامب.. والهروب من الأزمة الأكبر

وعلى الرغم من فداحة هذه الخسارة الاقتصادية، تجاهل قادة مجموعة السبع -خلال قمتهم المنعقدة هذا الأسبوع في فرنسا- فتح هذا الملف الشائك، بهدف تجنب أي صدام مباشر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يحتاجون إلى تنسيقه وتعاونه في ملفات حيوية أخرى، على أهمهاالأزمة الأوكرانية، ومستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وقضايا التجارة العالمية.


​ويرى محللون أن هذه الواقعة تكشف بوضوح كيف تتجنب مجموعة السبع -التي تأسست في الأصل ايذاء أزمة النفط عام 1973 لإدارة الأزمات الاقتصادية الكبرى- التحدي الاقتصادي الأبرز في العالم اليوم، مما يهدد بتراجع دورها وأهميتها على الساحة الدولية. وفي المقابل، انتقد مارسيلو إستيفاو، كبير خبراء الاقتصاد في معهد التمويل الدولي، التوجهات الأمريكية قائلاً: "السياسات الأمريكية باتت تضر بالنشاط الاقتصادي العالمي، فلديك الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر تقوض وتعرقل جدول أعمال التعاون المفترض داخل مجموعة السبع". ودعا إستيفاو قادة المجموعة إلى مراجعة أدوارهم لتعزيز مكانة التكتل، خاصة في وقت باتت فيه اقتصادات الأسواق الناشئة -خارج المجموعة- والتي تحصل على حصة أكبر من الاقتصاد العالمي.


دبلوماسية فرنسية حذرة وهدنة مؤقتة

حرصت فرنسا، بصفتها رئيسة الدورة الحالية للمجموعة، على إغلاق الأبواب أمام أي مواجهات محتملة؛ إذ ألغت أي محاولة لإصدار بيان ختامي موسع، للتركيز على تفاهمات في ملفات أضيق نطاقاً، مثل علاج الاختلالات العالمية، وتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وتوجيه مساعدات التنمية نحو نا هو أهم مثل برامج استثمارية ملموسة.


​لكن احتمالات المواجهة تراجعت عملياً بالفعل بفضل الاتفاق المؤقت الذي أبرمه المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون قبيل توجه ترامب إلى فرنسا مباشرة. ورغم أن الخبراء يرون في هذا الاتفاق بادرة خير للاقتصاد العالمي، ولكن في ذات الوقت حذروا من مخاطر اكثر إذا انهار الاتفاق وعادت الأزمة للاشتعال، مؤكدين أن عودة التدفقات التجارية إلى طبيعتها ستستغرق شهوراً، في حين قدر خبراء النقل البحري وقطاع الوقود أن يستغرق تعافي إمدادات وقود السفن عاماً كاملاً.


​وغلبت نبرة التفاؤل على تدوينة كتبتها كريستالينا جورجيفا، رئيسة صندوق النقد الدولي، يوم الإثنين عقب مشاركتها في القمة، متراجعة عن تحذيراتها المتشددة التي أطلقتها قبل شهرين. وقالت جورجيفا إن "الاقتصاد العالمي أظهر تماسكاً حتى الآن، ولا توجد مؤشرات على ركود عالمي رغم الاختلاف في حجم التأثير بين منطقة وأخرى"، مشيرة إلى أن الصندوق (الذي تعد الولايات المتحدة أكبر مساهميه) سيصدر توقعاته المحدثة في الثامن من يوليو المقبل.


​ويبدو أن الصندوق يميل حالياً إلى اعتماد "السيناريو الأقل سوءاً" من بين ثلاثة سيناريوهات وضعها سابقاً؛ حيث افترض هذا السيناريو حرباً قصيرة الأمد مع إيران، يتراجع معها معدل النمو العالمي إلى 3.1% عام 2026 مقارنة بـ 3.4% عام 2025. بينما رسم السيناريو الأسوأ صورة قاتمة بهبوط النمو إلى 2% وقفز التضخم إلى 5.8%.


​مقابل هذا ، قلل المسؤولون الأمريكيون من المخاوف، مشيرين إلى تراجع أسعار النفط عن مستوياتها القياسية، وأن الولايات المتحدة -باعتبارها دولة مصدرة للوقود- حظيت بحماية طبيعية من قفزات الأسعار الكارثية. وتتوقع إدارة ترامب أن تتلاشى آثار الحرب سريعاً بمجرد الانتظام الكامل للملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة أن أوروبا (المستوردة للطاقة) ستتجنب أي نقص وشيك في الإمدادات.


علامات استفهام حول جدوى "السبع"

يشار الى ان هذه الأزمة تعيد فتح النقاش القديم الجديد حول جدوى مجموعة السبع (التي تضم كبريات اقتصادات أوروبا إلى جانب الولايات المتحدة وكندا واليابان)، خاصة مع الصعود الصاروخي لاقتصادات نامية وبارزة مثل الهند والبرازيل والصين ويكشف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن تراجع الوزن النسبي للمجموعة؛ إذ أصبحت تمثل حالياً 44.1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقارنة بنحو 60.5% عند تأسيسها. ورغم ذلك، يدافع المشاركون عن المجموعة مؤكدين أهميتها وقت الأزمات، مستشهدين بدورها في التغلب على الأزمة المالية العالمية عامي 2008 و2009.


وفي السياق ذاته ، قال مارتن مولايزن، الرئيس السابق لقسم الاستراتيجيات بصندوق النقد الدولي: "مجموعة السبع لا تزال قادرة عند الضرورة على اتخاذ قرارات حاسمة تحكم نصف الاقتصاد العالمي"، متوقعاً أن يتحلى القادة الأوروبيون بالحذر الشديد في الاجتماعات الرسمية المعقدة، والتنبؤ بظهور بعض التوترات خلف الأبواب المغلقة وخلال المآدب الجانبية.


​واختتم إريك لوكومبت، المدير التنفيذي لشبكة "يوبيلي الولايات المتحدة" التنموية، ان المشهد بالتأكيد يدل على ان الهواجس الاقتصادية تظل الأولوية القصوى للمواطنين رغم اتفاق السلام الحذر، مضيفا : "الأسواق تعاني اضطراباً بالغاً،واضحا والأمر لا يتطلب أن تعيش في دولة نامية لكي تلمس ذلك..