بعد جدل انتحار مصري به.. كيف أصبح سجن "ليتشي" قلعة الموت في إيطاليا؟

بعد جدل انتحار مصري به.. كيف أصبح سجن "ليتشي" قلعة الموت في إيطاليا؟

أعادت وفاة سجين مصري شاب داخل أحد أكثر السجون اكتظاظاً في جنوب إيطاليا فتح ملف الانتهاكات وظروف الاحتجاز القاسية، وسط تحذيرات حقوقية متصاعدة من تدهور الأوضاع الإنسانية داخل المؤسسات العقابية الإيطالية، وتساؤلات متزايدة حول الملابسات الحقيقية للحادث، وما إذا كانت الوفاة نتيجة انتحار أم بسبب ضغوط وتهديدات تعرّض لها النزيل قبل رحيله.


وبحسب ما نشرته الصحف الإيطالية، فقد عُثر على السجين المصري، عبد الباقي محمد عبد الباقي (26 عاماً)، ميتاً داخل زنزانته في سجن "بورغو سان نيكولا" بمدينة ليتشي، في حادثة ترجح السلطات الإيطالية أولياً أنها ناجمة عن الانتحار، فيما باشرت الجهات المختصة تحقيقاً رسمياً لكشف ملابسات الوفاة.


مؤشرات تنفي الاكتئاب وتفتح باب الشكوك 

وتشير المعلومات الأولية إلى أن الشاب الراحل لم يكن يعاني من أي مشكلات صحية أو نفسية ظاهرة؛ إذ بدا في حالة مستقرة وطبيعية خلال آخر تواصل له مع محاميته قبل نحو أسبوع من وفاته، حيث طلب منها حينها ترتيب اتصال هاتفي بوالدته المقيمة في مصر، دون أن تظهر عليه أي مؤشرات اضطراب أو نوايا لإنهاء حياته.


وكان السجين يقضي عقوبة سالبة للحرية على خلفية قضية مرتبطة بتجارة المخدرات، وينتظر قراراً قضائياً وشيكاً بشأن طلب تقدّم به للحصول على إفراج مشروط، وهو ما يضاعف الغموض المحيط بوفاته المفاجئة داخل محبسه في وقت كان يترقب فيه الحرية.


سجن "ليتشي".. بيئة خانقة تحفز على المأساة

تأتي هذه الواقعة الصادمة لتسلط الضوء مجدداً على الوضع الكارثي داخل سجن "بورغو سان نيكولا"، الذي تحول وفقاً لتقارير حقوقية ونقابية إلى بيئة خانقة تكاد تنعدم فيها مقومات الحياة الإنسانية؛ إذ يضم السجن حالياً قرابة 1400 نزيل، وهو ما يعادل نحو ضعف طاقته الاستيعابية الرسمية المحددة بـ 800 سرير فقط (بنسبة اكتظاظ قياسية تجاوزت 175%).


هذا التكدس الرهيب أدى إلى تدهور حاد في الرعاية الطبية والنفسية، حيث تشير البيانات إلى وجود طبيبين نفسيين اثنين فقط لخدمة هذا العدد الهائل من النزلاء، مما يجعل من الصعب تتبع الحالات النفسية الحرجة أو رصد النزلاء المعرضين لخطر إيذاء النفس.


صرخة حقوقية وإدانة برلماني 

وتأتي وفاة الشاب المصري لتنضم إلى حصيلة مأساوية متصاعدة في السجن ذاته ففي العام الماضي 2025،  سجل السجن حالتي انتحار إضافيتين داخل الزنزانات، فضلاً عن وفاة نزيل ثالث في المستشفى بعد محاولة انتحار سابقة، مما يرفع إجمالي الوفيات المرتبطة بالانتحار في سجن ليتشي وحده إلى 3 حالات في غضون أسابيع، وضمن حصيلة وطنية مرعبة بلغت 75 حالة انتحار في عموم السجون الإيطالية في عام 2025.


وفي ردود الفعل سابقة، نددت ماريا بيا سكارشيليا، رئيسة منظمة "أنتيغوني" الحقوقية، بـ"الصمت المطبق" من قِبل السلطات المحلية والمؤسسات الرسمية إزاء ما وصفته بالأزمة الهيكلية التي تحولت إلى ما يشبه الأمر "الطبيعي". وطالبت المنظمات الحقوقية بالتدخل الفوري عبر تفعيل العقوبات البديلة وتخفيف التكدس لإنقاذ أرواح النزلاء.


وعلى الصعيد السياسي، كان النائب البرلماني الإيطالي كلاوديو ستيفاناتزي قد ندد، في وقت سابق أيضاً بقضية السجون الإيطالية، واصفاً ما يحدث بـ"المأساة المتجددة"، مشدداً على أن "قضاء العقوبة لا يمكن، ولا يجب، أن يتحول إلى سلسلة لا تنتهي من المآسي الإنسانية".


وفي عام 2025  فارق الحياة 226 سجيناً  داخل السجون الإيطالية، وفق الإحصائيات، وهو ثالث أعلى رقم يُسجل على الإطلاق بعد عامي 2023 و2024، فيما بلغ عدد حالات الانتحار في نفس العام 76 حالة.