شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن حراكاً دبلوماسياً مكثفاً أسفر عن اختراق أولي في جدار الأزمة اللبنانية الإسرائيلية، بعد اجتماع ثلاثي رفيع المستوى استمر على مدار يومين.
وتوجت هذه المفاوضات ببيان مشترك أعلن فيه الجانبان الموافقة على تنفيذ وقف لإطلاق النار وتدشين ما وُصف بـ "المناطق التجريبية" في عمق الجنوب اللبناني. وتأتي هذه الخطوة كمحاولة مدعومة من إدارة الرئيس دونالد ترامب لبناء الثقة واختبار النوايا، تمهيداً لجولة مفاوضات أوسع مطلع الأسبوع الأخير من الشهر الجاري لصياغة تسوية شاملة لإنهاء الصراع الإقليمي المتفجر.
شروط السيطرة وحسابات المسافة في جنوب الليطاني
تتركز الفكرة الأساسية للمناطق التجريبية حول إعادة رسم الخارطة العسكرية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، حيث يشترط الاتفاق إخلاء هذه المساحة الجغرافية تماماً من أي تواجد مسلح لحزب الله أو الفصائل غير الحكومية. ويقضي المخطط بأن يتسلم الجيش اللبناني السيطرة الأمنية والعسكرية الحصرية على هذه الأراضي لضمان استقرارها، على أن يعقب ذلك انسحاب تدريجي ومتزامن لقوات الجيش الإسرائيلي التي توغلت في القرى الحدودية خلال الأسابيع الماضية، مما يمهد الطريق لعودة مؤسسات الدولة اللبنانية إلى خطوط الحدود الدولية.
معادلة الردع وقنبلة المقايضة بين الشمال والضاحية
يرتبط نجاح هذه الترتيبات الأمنية الحذرة بمعادلة ردع متبادلة ومباشرة، تلزم حزب الله بوقف كامل لإطلاق القذائف والصواريخ نحو مستوطنات ومدن شمال إسرائيل، وفي المقابل تتعهد تل أبيب بوقف كامل لغاراتها الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت. غير أن هذه الصيغة واجهت صدمة مبكرة بعد إعلان الحزب على لسان قياداته السياسية رفضه القاطع لأي اتفاقات مجتزأة أو حلول جزئية، مشدداً على عدم القبول بمقايضة أمن العاصمة بوقف قصف الشمال الإسرائيلي، وهو ما يضع التفاهمات الأمريكية أمام اختبار حقيقي قبل أن تبدأ.
معركة عزل طهران وطموح السلام الإسرائيلي
على المسار السياسي، تتقاطع الدبلوماسية الأمريكية مع الطموحات الإسرائيلية في السعي نحو إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، إذ يضغط الرئيس ترامب باتجاه فصل مسار التفاوض اللبناني عن الملف الإيراني لكسر استراتيجية وحدة الساحات، وهو ما ترفضه طهران وتصر على ترابط الملفين. ومن جانبه، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى استثمار هذا المناخ للمطالبة بتجريد حزب الله من سلاحه بالكامل كشرط مسبق لتحقيق سلام دائم، مراهناً على معادلة أمريكية جديدة تمنح بلاده غطاءً سياسياً لمواصلة الضغط العسكري.
الميدان يشتعل على وقع نزيف الدماء وفاتورة الدمار
ميدانياً، بدت لغة النار أكثر صخباً من أروقة الدبلوماسية، حيث واصلت المقاتلات الإسرائيلية شن حزام ناري طال عشرات البلدات الجنوبية، بالتزامن مع توجيه إنذارات قسرية لإخلاء قرى بأكملها، واستهداف سيارة بمدخل بيروت الجنوبي. وفي المقابل، رد حزب الله بضرب تجمعات عسكرية إسرائيلية في موقع بركة المرج بشمال إسرائيل وتصدي لقوات التوغل البري، لتستمر الحرب التي اندلعت في مارس الماضي عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في حصد الأرواح، مسجلة أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة شهيد وتهجير نحو مليون نازح لبناني.
