كتبت شيماء حمدالله
كشفت إفادات ثمانية مسؤولين حاليين وسابقين ومصادر مطلعة عن تباطؤ تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الأجهزة الأميركية والكونجرس، بل وتوقفه مؤقتًا في بعض الحالات خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، ما أثار مخاوف من وصول صانعي السياسات إلى صورة غير مكتملة بشأن التهديدات الأمنية التي تواجه الولايات المتحدة.
وبحسب المصادر، شملت الاضطرابات المعلومات المتعلقة بإيران والتهديدات العالمية الأخرى، وسط صراعات نفوذ وتوترات مؤسسية بين وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي إيه» ومكتب مدير المخابرات الوطنية، الذي كانت تولسي غابارد تتولى إدارته سابقًا.
وحذر مسؤولون سابقون وخبراء من أن تراجع التنسيق بين الأجهزة قد يعيد إلى الأذهان إخفاقات استخباراتية سبقت هجمات تنظيم القاعدة في 11 سبتمبر 2001، عندما لم تنجح المؤسسات المعنية في تجميع المعلومات المتاحة وتبادلها بالصورة المطلوبة.
صراع CIA ومكتب المخابرات الوطنية يعطل التقييمات المشتركة
ظهرت الخلافات خلال فترة تولي تولسي غابارد منصب مديرة المخابرات الوطنية، وسط توتر عميق بينها وبين وكالة المخابرات المركزية. ورغم تراجع حدة الصدام بعد استقالتها في يونيو 2026، فإن تداعيات الخلاف استمرت، وفق مسؤولين أميركيين مطلعين.
وقال مسؤولان إن وكالة «سي آي إيه» توقفت عن المشاركة في إعداد التقييمات الاستخباراتية المشتركة مع مجلس المخابرات الوطني، وهو جهاز تحليلي تابع لمكتب مدير المخابرات الوطنية، ما أدى إلى تراجع عدد التقارير التي تجمع وجهات نظر مجتمع الاستخبارات الأميركي بشأن الملفات الدولية، ومن بينها إيران.
وتكتسب هذه التقييمات أهمية خاصة لأنها تستهدف توحيد آراء 18 وكالة استخبارات أميركية وتقديم صورة مشتركة لصانعي القرار. واعتمد مجلس المخابرات الوطني لعقود على مساهمة وكالة المخابرات المركزية في تحليل ملفات رئيسية، بينها إيران وروسيا.
وفي المقابل، قالت المتحدثة باسم «سي آي إيه» ليز ليونز إن الوكالة تشارك بشكل كامل في عملية إعداد التقييمات الاستخباراتية، سواء عبر «التقرير الرئاسي اليومي» بقيادة مكتب مدير المخابرات الوطنية أو من خلال مجلس المخابرات الوطني.
كما أكد مسؤول بمكتب مدير المخابرات الوطنية أن المجلس حافظ على مستوى التقييمات، معتبرًا أنها ظلت قريبة من أفضل مستوياتها منذ بدء إصدارها.
حجب تقارير استخباراتية عن الكونغرس بعد عمليات عسكرية
لم تقتصر الأزمة على التنسيق بين الأجهزة، بل امتدت إلى علاقة مجتمع الاستخبارات بالسلطة التشريعية. وقال مصدران مطلعان إن أعضاء الكونغرس ومساعديهم لم يتلقوا لفترة وجيزة تقارير استخباراتية من مكتب غابارد في مناسبتين؛ الأولى عقب التدخل العسكري الأميركي في إيران خلال يونيو 2025، والثانية بعد القبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في يناير 2026.
واتهم فريق غابارد آنذاك مشرعين بتسريب معلومات إلى وسائل الإعلام، في وقت لم تكن فيه تفاصيل هذا الانقطاع قد ظهرت علنًا من قبل.
وأشار مصدران ومسؤول أميركي سابق أيضًا إلى أن مكتب غابارد توقف عن إطلاع الكونغرس على التهديدات الانتخابية خلال عام 2025، قبل أن يستأنف جاي كلايتون، الذي تولى منصب مدير المخابرات الوطنية في أغسطس 2026، تقديم إفادات للمشرعين بشأن هذه التهديدات.
وقال المكتب في بيان إن كلايتون ملتزم بتوفير الموارد اللازمة لمكتب مدير المخابرات الوطنية ومجتمع الاستخبارات، بما يضمن استمرار إطلاع كبار صانعي القرار في الحكومة الأميركية وحماية المواطنين.
مخاوف من تأثير الضغوط السياسية على تقييمات الاستخبارات
تزامنت الاضطرابات مع تخفيضات واسعة في ميزانيات وكالات الأمن القومي، من بينها وكالة المخابرات المركزية ومكتب مدير المخابرات الوطنية، إلى جانب إجراءات اتخذها ترامب لإقالة أو تهميش مسؤولين اعتبرهم غير موالين له.
وقال مسؤولان سابقان ومسؤول أميركي حالي إن بعض المحللين داخل الأجهزة باتوا أكثر حذرًا عند إعداد تقييمات تتعارض مع مواقف البيت الأبيض، خشية التعرض لردود فعل سياسية، من دون تحديد الملفات التي يتجنبون تناولها.
ووصف مسؤولون الخلاف بين وكالة المخابرات المركزية ومكتب مدير المخابرات الوطنية بأنه من أكبر صراعات النفوذ بين مؤسستين استخباراتيتين خلال ثلاثة عقود، وهو ما أثار تساؤلات بشأن قدرة المجتمع الاستخباراتي على تنسيق المعلومات وتقديم تقديرات مستقلة.
خلاف بين FBI ومركز مكافحة الإرهاب يوسع أزمة التنسيق
امتدت الخلافات المؤسسية إلى مكتب التحقيقات الاتحادي «إف بي آي»، إذ قال مسؤولان سابقان إن المكتب أوقف، لعدة أسابيع في أواخر عام 2025، مشاركة بعض المعلومات الاستخباراتية مع المركز الوطني لمكافحة الإرهاب.
وجاءت الخطوة بعدما حاول رئيس المركز آنذاك جو كينت وموظفوه التحقيق في واقعة إطلاق النار على مؤسس منظمة «تيرنينغ بوينت يو إس إيه» تشارلي كيرك. وأبلغ قادة مكتب التحقيقات الاتحادي كينت بأنهم يرون أن المركز يتجاوز نطاق صلاحياته.
ولم يرد البيت الأبيض ومكتب التحقيقات الاتحادي على طلبات التعليق، بينما قدمت وكالة المخابرات المركزية ومكتب مدير المخابرات الوطنية توضيحات بشأن استمرار مشاركتهما في إعداد التقييمات وإطلاع صانعي القرار.
وتثير هذه الوقائع تساؤلات بشأن تداعيات الصراعات بين المؤسسات الأمنية الأميركية على تدفق المعلومات وتنسيق التقديرات، خصوصًا مع استمرار التحديات المرتبطة بإيران والتهديدات الدولية، وحاجة الإدارة والكونغرس إلى معلومات استخباراتية متكاملة لدعم قرارات الأمن القومي.



