كتبت شيماء حمدالله
سجلت فرنسا أول حالة إصابة بشرية معروفة بفيروس «شاموندا»، الذي كان يُعرف بإصابته للحيوانات، بعد وفاة رجل في العقد السادس من عمره كان يعاني سرطان الدم وضعفًا شديدًا في المناعة.
وأثارت الحالة اهتمام الباحثين بعدما عانى المريض أعراضًا عصبية حادة انتهت بدخوله في غيبوبة ووفاته مطلع أكتوبر 2026.
وأعلنت السلطات الصحية الفرنسية اكتشاف الفيروس لدى المريض، الذي تلقى العلاج في مستشفيات مدينة ليون، في واقعة تُعد الأولى من نوعها منذ اكتشاف الفيروس لدى الحيوانات قبل عقود. ورجّح الباحثون أن تكون العدوى قد انتقلت عبر لدغة حشرة ناقلة للفيروس، فيما تتواصل التحقيقات لتحديد مصدر الإصابة بدقة وفهم طبيعة التغيرات الجينية التي ظهرت في الفيروس داخل جسم الإنسان.
ورغم أهمية الحالة، أكدت السلطات الصحية الفرنسية أنه لم يُرصد حتى الآن انتقال للفيروس من إنسان إلى آخر، ولا توجد مؤشرات على وجود خطر صحي على عموم السكان وفق المعلومات المتاحة.
فيروس شاموندا.. كيف بدأت أول إصابة بشرية معروفة؟
أُبلغت السلطات الصحية الفرنسية في 7 أكتوبر 2026 بإصابة المريض بفيروس شاموندا، بعدما خضع للعلاج في مستشفيات ليون بسبب حالة عصبية خطيرة. وتوفي الرجل في مطلع الشهر نفسه، بعد تدهور حالته الصحية.
وكان المريض يقيم في منطقة ريفية بإقليم رون ألب، حيث رُصد الفيروس لدى قطعان الماشية خلال الأشهر السابقة. ويرجح الباحثون أن العدوى انتقلت إليه عبر لدغة حشرة الهاموش الصغيرة من جنس «كوليكويدس»، المعروفة بقدرتها على نقل الفيروس بين الحيوانات.
ولا يزال هذا الاحتمال قيد التحقيق، إذ يدرس المختصون مصادر العدوى الممكنة، بما في ذلك التعرض للحشرات أو الحيوانات، إلى جانب احتمالات أخرى تُعد أقل ترجيحًا، مثل انتقال العدوى عبر منتجات ملوثة أو الدم أو زراعة الأعضاء.
أعراض فيروس شاموندا.. تشنجات وفقدان البصر وغيبوبة
بدأت الحالة بأعراض عصبية شملت فقدان البصر والارتباك، ثم تطورت إلى نوبات صرع وتشنجات شديدة. ومع تدهور الوضع الصحي للمريض، دخل في غيبوبة استدعت وضعه على أجهزة التنفس الصناعي.
وحاول الأطباء علاج الحالة باستخدام المضادات الحيوية ودواء مضاد للفيروسات وجرعات مرتفعة من الكورتيكوستيرويدات، لكن الحالة لم تتحسن، وانتهى الأمر بوقف أجهزة دعم الحياة.
ويرجح الباحثون أن ضعف الجهاز المناعي لدى المريض أسهم في تفاقم العدوى، إذ كان يعاني سرطان الدم، ما جعله أكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة.
ويُعتقد أن ضعف المناعة ربما ساعد الفيروس على الاستمرار داخل الجسم، وزاد احتمالات وصوله إلى الدماغ عبر الحاجز الدموي الدماغي، والتسبب في مضاعفات عصبية قاتلة.
وأظهرت التحليلات التي أُجريت على عينات من أنسجة المريض وجود مستويات مرتفعة من الفيروس في الدماغ والكبد والطحال، وهو ما عزز الأدلة على انتشار العدوى داخل الجسم.
خمس طفرات جينية تثير تساؤلات حول قدرة الفيروس على إصابة البشر
واجه الأطباء صعوبة في اكتشاف الفيروس، لأن فحوصات الدم الروتينية لا تكشفه بسهولة. ولذلك لجأ المختصون إلى تقنيات متقدمة لتحليل المادة الوراثية في العينات، بما يشمل تسلسل الحمض النووي الريبي (RNA) والحمض النووي (DNA).
وكشفت التحليلات وجود الفيروس في السائل النخاعي، كما أظهرت أن جينومه يتطابق بدرجة كبيرة مع الفيروسات المعزولة من الحيوانات.
لكن الفيروس الذي اكتُشف لدى المريض حمل خمسة تغيرات جينية لم تُسجل في التسلسلات الحيوانية التي قورنت بها العينات. ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت هذه التغيرات تمنح الفيروس قدرة أكبر على إصابة البشر أو تؤثر في شدة المرض.
وتحتاج هذه النتائج إلى مزيد من الدراسات لتحديد طبيعة الطفرات ووظيفتها، وما إذا كانت مرتبطة بقدرة الفيروس على إصابة الجهاز العصبي أو التكيف مع جسم الإنسان.
ما هو فيروس شاموندا وكيف ينتقل؟
ينتمي فيروس شاموندا إلى جنس «أورثوبونيافيروس» ضمن عائلة الفيروسات البونية المسببة للأمراض، ويصيب بصورة أساسية الحيوانات، خصوصًا الأبقار والأغنام والماعز، كما رُصد لدى الخيول.
واكتُشف الفيروس للمرة الأولى في نيجيريا خلال ستينيات القرن الماضي، ثم سُجل في مناطق مختلفة من أفريقيا واليابان. وفي صيف 2026، ظهر للمرة الأولى في أوروبا، حيث رُصد لدى حيوانات المزارع في عدة دول، بينها فرنسا.
وينتقل الفيروس بين الحيوانات، بحسب المعلومات المتاحة، عبر لدغات حشرات الهاموش الصغيرة من جنس «كوليكويدس». أما آلية انتقاله إلى الإنسان، فلا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، خصوصًا أن الحالة الفرنسية تمثل أول إصابة بشرية موثقة.
ولا تتوافر حتى الآن لقاحات أو علاجات مضادة للفيروسات مخصصة لفيروس شاموندا، ما يزيد أهمية تطوير وسائل التشخيص المبكر وفهم طبيعة العدوى.
هل ينتقل فيروس شاموندا بين البشر؟
لم تُسجل حتى الآن حالات مؤكدة لانتقال فيروس شاموندا من شخص إلى آخر، كما لم تحدد السلطات الصحية الفرنسية أي خطر على الصحة العامة في ضوء المعلومات المتاحة.
ويرى الباحثون أن الحالة المسجلة تظل استثنائية، بالنظر إلى ضعف المناعة الشديد لدى المريض، وعدم تسجيل إصابات بشرية معروفة بالفيروس طوال عقود من وجوده لدى الحيوانات.
ومع ذلك، تستمر التحقيقات الوبائية والمخبرية لتحديد مصدر العدوى، واستبعاد طرق الانتقال الأخرى، وتحسين القدرة على اكتشاف الفيروس لدى البشر.
وتتابع السلطات الصحية الفرنسية الحالة بالتعاون مع الجهات المختصة بالصحة الحيوانية والبيئية، في إطار نهج «الصحة الواحدة» الذي يدرس الروابط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
التغير المناخي والاحتكاك بالحيوانات يرفعان أهمية مراقبة الفيروسات
يحذر خبراء من أن تغير المناخ وتزايد الاحتكاك بين البشر والحيوانات والحياة البرية قد يساهمان في زيادة فرص ظهور أمراض معدية جديدة أو انتقال فيروسات حيوانية إلى البشر.
كما أن ارتفاع أعداد الأشخاص الذين يعانون ضعفًا في المناعة قد يزيد احتمالات الإصابة بمضاعفات خطيرة عند التعرض لبعض الفيروسات.
وأشار باحثون إلى أن تشخيص الفيروسات المنتمية إلى هذه العائلة قد يكون مكلفًا ويستغرق وقتًا طويلًا، ما يثير احتمال عدم اكتشاف بعض الإصابات النادرة بسهولة.
ومن المتوقع أن تواصل الجهات الصحية الفرنسية مراقبة الحشرات الناقلة للفيروس وتعزيز الدراسات المتعلقة بانتشاره لدى الحيوانات، بالتوازي مع تطوير وسائل التشخيص والتحليل الجيني.
وتبقى الحالة الأولى لفيروس شاموندا لدى الإنسان موضع متابعة علمية، لكن البيانات المتاحة لا تشير حاليًا إلى انتقاله بين البشر أو وجود خطر صحي على عموم السكان.




