أكدت الدكتورة شيماء المرسي، الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني، أن الإجابة على التساؤلات المثارة حول التحولات الراهنة في المشهد السياسي الإيراني تكمن في "منطقة وسطى"؛ حيث شهد سلوك الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد تحولا جزئيًا، مخرِجًا إياه من عباءة الراديكالية التي عُرِف بها عام 2005، ليعيد تأطير نفسه في السنوات الأخيرة كـ "معارض من داخل البنية المؤسسية".
وأوضحت المرسي، في تصريحات خاصة لموقع "الراية"، أن نجاد بات يتبنى خطابًا يركز على القومية الإيرانية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد كبديل للأيديولوجيا العابرة للحدود، موجهًا رسائل مفتوحة لزعماء العالم، بمن فيهم دونالد ترامب.
وأضافت الباحثة، أن واشنطن وتل أبيب أدركتا أن خطط إسقاط النظام من الخارج واستيراد معارضة جاهزة كالملكية البهلوية أو تنظيم "مجاهدي خلق" لن تحظى بأي قبول لدى الشارع الإيراني أو الأجهزة السيادية. من هنا، أصبح البحث عن شخصية شعبوية تمتلك شرعية تاريخية من داخل النظام، وقاعدة جماهيرية في الأرياف والطبقات المستضعفة، وشبكة علاقات سابقة داخل الحرس الثوري، هو الخيار الغربي الأكثر واقعية لقيادة "انتقال ناعم" يضمن عدم تفكيك الدولة كليًا.
ورغم هذه المقاربة، ترى المرسي أن تزامن تقارير الصحافة الأمريكية (مثل نيويورك تايمز) مع التعنت الإيراني في فرض السيادة على مضيق هرمز، والتمسك بالحق في تخصيب اليورانيوم، والمطالبة بالتعويضات المالية، يكشف بوضوح عن فشل الرهان الأمريكي، ويعكس في المقابل قوة وتماسك "الدولة العميقة المركبة" في إيران.
بنيتان تحميان النظام الإيراني من التفكك
وأشارت الدكتورة شيماء المرسي، إلى أن هذا التماسك النسبي يستند إلى بنيتين أساسيتين:
أولاً: المؤسسية المتداخلة والموازية: فالنظام الإيراني لم يعتمد على دولة الرجل الواحد رغم الصلاحيات المطلقة للولي الفقيه. وفي حال غياب رأس الهرم، يتحرك "مجلس الدفاع الإيراني" التابع للمجلس الأعلى للأمن القومي بالتكامل مع المجمع الاقتصادي للقوات المسلحة وممثلي العتبات الدينية الكبرى، لضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها الأمنية والمالية.
ثانياً: غريزة البقاء المشترك: حيث تدرك النخبة الحاكمة بكافة أطيافها أن سقوط النظام يعني تصفيتها بالكامل، وهو ما يولد تلاحمًا غريزيًا تختفي معه الخلافات الداخلية فور ظهور أي تهديد وجودي خارجي.
وحول توقيت تسريب قصة محاولة "تحرير نجاد" من إقامته الجبرية، جزمت المرسي بأنها لا تتعدى كونها "حربًا نفسية واستخباراتية مُسيسة"، تتزامن مع مهلة الأيام الثلاثة التي حددها ترامب للوصول إلى اتفاق أو استئناف الحرب. وتستهدف واشنطن من وراء هذه البروباجندا تحقيق هدفين:
ضرب الثقة الداخلية: عبر صناعة حالة من الشك داخل النخبة السيادية لإشغال أجهزة الاستخبارات بالتشكيك في ولاءاتها ومراقبة الداخل بدلاً من التركيز على إدارة ملف التفاوض الراهن. وإرسال إشارة غير مباشرة: لصانع القرار في طهران بأن العمق الأمني الإيراني مكشوف، وأن أوراق الرموز الشعبوية قابلة للتوظيف.
واستدركت الباحثة: "إن هذا الرهان يغفل تمامًا التكاتف المؤسسي الإيراني الذي تجلى في محطات سابقة وفي المواجهة الحالية؛ فالعقيدة الأمنية الإيرانية تؤمن بأن أي اختراق للجبهة الداخلية وقت الحرب يعني انهيار المعبد على رؤوس الجميع، لذا فإن الرهان الأمريكي على وجود أجنحة مستعدة للتواطؤ حاليًا هو محض قراءة منفصلة عن الواقع".
وتوقعت المرسي، أن تدير طهران مهلة الأيام الثلاثة الحرجة عبر مسارين متوازيين:
"المسار الأول هو إبداء الصلابة المؤسسية علناً من خلال استعراض القوة العسكرية في تعطيل الملاحة بمضيق هرمز والتعنت في شروط التفاوض النووي لإثبات عدم الرضوخ للإنذارات. أما المسار الثاني فهو تأمين قنوات التفاوض الخلفية باستخدام الدبلوماسية السرية عبر (إسلام أباد)، لتقديم مقاربات براجماتية تضمن الحفاظ على الخطوط الحمراء الإيرانية كالسيادة والتعويضات".
وفي تحليلها الافتراضي لنجاح السيناريو الأمريكي، أكدت المرسي لـ "الراية" أن النتيجة كانت ستكون كارثية على شرعية نجاد السياسية؛ فالشارع الإيراني ولا سيما الطبقة الوسطى والشباب الذين قادوا احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" يمتلك وعيًا سياسيًا حادًا وحساسية مفرطة تجاه التدخل الأجنبي.
واختتمت الدكتورة شيماء المرسي، تصريحاتها بالقول: "إن أي شعور بأن نجاد صعد إلى السلطة على متن طائرات إسرائيلية أو أمريكية كان سيحوله فورًا في نظر الإيرانيين إلى (كرزاي طهران)، مما يسقط عنه أي صفة شعبوية، ويضعه أمام رفض مزدوج من التيار الراديكالي الذي سيراه خائنًا، ومن التيار التحديثي الذي لا يثق بأيديولوجيته أصلًا".
ورأت الباحثة، أن هذا الرهان الغربي يعكس "إفلاسًا استراتيجياً كاملًا" واجهته واشنطن نتيجة عجز المعارضة الخارجية عن تقديم مشروع وطني مقبول، والمليء بالرعب من سيناريو "الصوملة" أو تحول إيران إلى سوريا أخرى بترسانة صاروخية ونووية؛ وهو العجز الذي دفع الغرب للمحاولة البائسة في "إعادة تدوير" رجالات النظام أنفسهم لشراء الاستقرار، حتى لو كان البديل هو شخص أمضى فترتيه الرئاسيتين في تهديد الغرب ومحو حلفائه.
