هل يمكن أن يتحول دور فني واحد إلى بطاقة تعريف تلازم صاحبه لعقود طويلة؟ وهل يستطيع ممثل أن يجسد شخصية إلى الحد الذي يجعل الجمهور يراه فيها كلما ذُكر اسمه؟ ربما كان الفنان يحيى شاهين أحد أبرز النماذج التي تجيب عن هذا السؤال، بعدما ارتبط اسمه في وجدان المشاهد المصري والعربي بشخصية «السيد أحمد عبد الجواد» أو «سي السيد» في ثلاثية نجيب محفوظ، حتى أصبحت الشخصية جزءا لا ينفصل عن تاريخه الفني.
وتحل اليوم، الثلاثاء 28 يوليو، ذكرى ميلاد الفنان الكبير يحيى شاهين، أحد رموز العصر الذهبي للسينما المصرية، الذي قدم خلال مسيرته الممتدة لأكثر من خمسة عقود عشرات الأعمال الخالدة، واستطاع بأدائه الهادئ والعميق أن يحجز لنفسه مكانة خاصة بين كبار نجوم الفن المصري.
وُلد يحيى شاهين عام 1917 بحي السيدة زينب في القاهرة، وظهرت ملامح موهبته الفنية مبكرا خلال سنوات دراسته، إذ كان شغوفا بالمسرح والتمثيل، وشارك في عدد من الأنشطة الفنية التي لفتت الأنظار إلى قدراته، ورغم دراسته لهندسة النسيج وعمله لفترة في شركة مصر للغزل والنسيج، فإن الفن ظل حلمه الأكبر الذي لم يتخل عنه.
اتخذ يحيى شاهين قرارا مصيريا بترك الوظيفة المستقرة، مفضلا خوض مغامرة العمل الفني بكل ما تحمله من تحديات، لينضم إلى فرقة الفنانة فاطمة رشدي المسرحية، التي كانت بمثابة المدرسة الأولى التي صقلت موهبته ومنحته الخبرة اللازمة للوقوف أمام الجمهور.
من المسرح إلى نجومية السينما
لم تكن رحلة يحيى شاهين نحو النجومية سريعة أو سهلة، إذ بدأ بأدوار صغيرة في السينما، قبل أن يثبت حضوره تدريجيا بفضل موهبته وأسلوبه الخاص في الأداء، وكان فيلم «سلامة» عام 1944 أمام كوكب الشرق أم كلثوم نقطة تحول مهمة في مشواره، حيث قدم من خلاله أداء لافتا ساهم في تعريف الجمهور به وفتح أمامه أبوابا جديدة في عالم السينما.
وخلال سنوات قليلة، أصبح يحيى شاهين واحدا من الوجوه المميزة التي يحرص كبار المخرجين على الاستعانة بها، نظرا لقدرته على تجسيد الشخصيات المركبة التي تجمع بين القوة الإنسانية والضعف الداخلي، وهو ما انعكس في اختياراته الفنية المتنوعة.
«سي السيد».. الدور الذي منح صاحبه الخلود
رغم عشرات الأعمال التي قدمها، تبقى شخصية السيد أحمد عبد الجواد في أفلام «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، المأخوذة عن ثلاثية الأديب العالمي نجيب محفوظ، هي العلامة الأبرز في مسيرة يحيى شاهين الفنية.
نجح الفنان الراحل في تقديم شخصية الأب الشرقي الصارم الذي يفرض سلطته المطلقة داخل منزله، بينما يعيش حياة مختلفة تماما خارجه، كاشفا التناقضات الإنسانية المعقدة التي كتبها نجيب محفوظ ببراعة، ولم يعتمد أداؤه على الصرامة وحدها، بل أضاف إلى الشخصية أبعادا إنسانية جعلتها أكثر قربا وصدقا لدى الجمهور.
ولم يكن نجاح الشخصية مرتبطا بفترة عرض الأفلام فقط، بل تجاوز ذلك ليصبح لقب «سي السيد» جزءا من الثقافة الشعبية المصرية والعربية، إذ لا يزال يستخدم حتى اليوم لوصف الرجل المتسلط أو شديد الصرامة داخل أسرته، في دليل واضح على حجم التأثير الذي أحدثه العمل في الوعي الجمعي.
محطات سينمائية لا تُنسى
بعيدا عن «سي السيد»، قدم يحيى شاهين مجموعة من أهم أفلام السينما المصرية، التي تنوعت بين الاجتماعية والرومانسية والتاريخية والأعمال المأخوذة عن الروايات الأدبية.
ففي فيلم «جعلوني مجرما» عام 1954، شارك إلى جانب فريد شوقي وهدى سلطان في واحد من أهم الأفلام الاجتماعية التي ناقشت تأثير الظلم الاجتماعي في دفع الإنسان نحو طريق الجريمة، وهو العمل الذي ساهم لاحقا في إثارة نقاشات مجتمعية حول حقوق أصحاب السوابق وإعادة دمجهم في المجتمع.
كما شارك في فيلم «لا أنام» أمام فاتن حمامة، المأخوذ عن رواية إحسان عبد القدوس، وقدم بطولة فيلم «نساء في حياتي» أمام هند رستم وزبيدة ثروت، ليؤكد قدرته على التنقل بين الأدوار المختلفة دون أن يفقد خصوصية أدائه.
وفي فيلم «شيء من الخوف»، جسد شخصية الشيخ إبراهيم في أحد أهم أفلام السينما المصرية، بينما قدم في «الأرض» شخصية الشيخ حسونة ضمن العمل الذي تحول إلى أحد كلاسيكيات السينما العربية، كما شارك في أفلام «الأخوة الأعداء» و«هذا الرجل أحبه» و«ابن النيل» و«أين عمري» و«بلال مؤذن الرسول»، وغيرها من الأعمال التي شكلت علامات بارزة في تاريخ الفن المصري.
حضور مميز على المسرح وشاشة التلفزيون
لم يقتصر عطاء يحيى شاهين على السينما وحدها، بل امتد إلى المسرح والتلفزيون، حيث قدم عددا من الأعمال التي تركت أثرا لدى الجمهور، من بينها مسلسل «الأيام» المأخوذ عن السيرة الذاتية للأديب طه حسين، و«الطاحونة»، و«شارع المواردي»، وغيرها من الأعمال التي كشفت عن قدرته على تقديم الشخصيات الدرامية المختلفة بمصداقية عالية.
وعلى مدار مسيرته الطويلة، حصد الفنان الراحل العديد من الجوائز وشهادات التقدير، كما منح وسام الجمهورية تقديرا لإسهاماته الكبيرة في إثراء الحركة الفنية المصرية، ليظل واحدا من الفنانين الذين جمعوا بين القيمة الفنية والنجاح الجماهيري.
رحلة لا تغيب عن الذاكرة
في الثامن عشر من مارس عام 1994، رحل يحيى شاهين عن عالمنا، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من نصف قرن، ترك خلالها إرثا فنيا ثريا لا يزال حاضرا حتى اليوم، ورغم مرور السنوات، لا تزال أعماله تعرض على الشاشات وتحظى بمتابعة أجيال جديدة من المشاهدين.
لم يكن يحيى شاهين مجرد ممثل أدى أدوارا ناجحة، بل كان نموذجا للفنان الذي منح شخصياته روحا خاصة، وجعل من الأداء الهادئ الصادق وسيلته للوصول إلى قلوب الجمهور، وبين المهندس الذي ترك معمل النسيج بحثا عن حلمه، والفنان الذي أصبح «سي السيد» السينما المصرية، بقي اسمه واحدا من الأسماء التي كتبت تاريخ الفن بحروف من ذهب.



