من «خالتي صفية والدير» إلى «الراية البيضاء».. محطات لا تُنسى في حياة سيد عبد الكريم

سيد عبد الكريم

قدم الفنان الراحل سيد عبد الكريم نموذجًا فريدًا للفنان الذي استطاع أن يترك بصمة خاصة في ذاكرة الجمهور، رغم أن أغلب أدواره لم تكن بطولات مطلقة، إلا أن حضوره الطاغي وأدائه الصادق جعلاه واحدًا من أهم نجوم الأدوار الثانية في الدراما والسينما المصرية. وفي ذكرى ميلاده، نستعرض أبرز المحطات في حياته ومسيرته الفنية الحافلة.


وُلد سيد عبد الكريم في عام 1936 بمدينة الإسكندرية، وبدأت علاقته بالفن منذ سنوات طفولته الأولى من خلال المسرح المدرسي، حيث ظهرت موهبته مبكرًا، واستمر في ممارسة التمثيل خلال سنوات دراسته حتى التحق بكلية الزراعة، التي كانت نقطة تحول مهمة في حياته بعدما تعرّف خلالها على المخرج الكبير محمد فاضل، الذي جمعته به صداقة قوية امتدت لسنوات طويلة.


عُرف سيد عبد الكريم بين أصدقائه بلقب "كيمو"، نسبة إلى اسمه، وكان يتمتع بخفة ظل وروح مرحة جعلت منه شخصية محبوبة بين زملائه، كما كان أحد أبرز أعضاء فريق التمثيل بمدرسة الرمل الثانوية، وشارك في بطولة العديد من المسرحيات قبل أن يبدأ رحلته الاحترافية مع الفن.


وخلال مشواره الفني، تعاون مع كبار صناع الدراما المصرية، وعلى رأسهم الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ، ليقدم أعمالًا أصبحت من علامات الدراما المصرية، من بينها "ليالي الحلمية"، و"الشهد والدموع"، و"الراية البيضاء"، و"خالتي صفية والدير"، و"زيزينيا"، و"أهالينا"، و"العائلة والناس"، و"ساكن قصادي"، و"الضوء الشارد"، و"الأصدقاء"، وغيرها من الأعمال التي رسخت مكانته لدى الجمهور.


وبرع الفنان الراحل في تجسيد العديد من الشخصيات التي لا تزال عالقة في الأذهان، من بينها شخصية "زعفراني" في مسلسل "أحلام الفتى الطائر"، و"عبودة أفندي" في "الشهد والدموع"، و"الورداني عزيز" في "أبواب المدينة"، فضلًا عن شخصية "المعلم حنفي البحر" في مسلسل "الراية البيضاء"، التي قدمها ببراعة كبيرة إلى جانب الفنانة سناء جميل وجميل راتب وسمية الألفي عام 1988.


كما حقق نجاحًا لافتًا من خلال شخصية "المقدس بشاي" في مسلسل "خالتي صفية والدير"، والتي تعد واحدة من أبرز الشخصيات في مشواره الفني، إذ جسّد دور الخادم المخلص بأحد الأديرة في الصعيد، الذي جمعته علاقة إنسانية مؤثرة بالبطل "حربي"، وكان نموذجًا للوفاء والمحبة والتضحية. وقد تأثر سيد عبد الكريم كثيرًا بهذه الشخصية حتى إنه أصيب بأزمة قلبية أثناء تصوير أحد مشاهد المسلسل، بعدما ارتبط وجدانيًا بأحداثه ونهاية بعض شخصياته.


ولم يقتصر تألقه على الدراما التلفزيونية، بل قدم العديد من الأعمال السينمائية المهمة، منها "كتيبة الإعدام"، و"المهاجر"، و"أيام السادات"، و"جدعان باب الشعرية"، و"خطة بعيدة المدى"، و"الجبلاوي"، و"كرسي في الكلوب"، وغيرها من الأفلام التي أثبت خلالها قدرته على التنقل بين الأدوار المختلفة بسلاسة وإتقان.


ويُعد دوره في فيلم "المهاجر" مع المخرج الراحل يوسف شاهين من أبرز محطاته السينمائية، إلى جانب مشاركته المميزة في فيلم "كتيبة الإعدام" أمام الفنان نور الشريف، حيث استطاع أن يترك أثرًا واضحًا رغم مساحة الدور المحدودة، وهو ما كان يميزه طوال مشواره الفني.


ووصفه النقاد بأنه أحد "البهارات الأساسية" في الأعمال الدرامية، فكان حضوره يمنح العمل نكهة خاصة لا تُنسى، واستطاع أن يحجز لنفسه مكانة استثنائية باعتباره واحدًا من الفنانين الذين صنعوا نجومية الشخصيات المساندة بموهبتهم الكبيرة وإخلاصهم للفن.


وفي سنواته الأخيرة، عانى سيد عبد الكريم من أزمات صحية متلاحقة، شملت أمراض القلب والفشل الكلوي وجلطات بالمخ، ما أبعده عن الساحة الفنية لفترات طويلة، وكانت آخر مشاركاته الفنية من خلال مسلسل "أهل كايرو"، الذي جسد فيه شخصية "إسماعيل التربي".


ورحل الفنان سيد عبد الكريم عن عالمنا في 31 مارس عام 2012 عن عمر ناهز 76 عامًا إثر أزمة صحية، لكنه ترك وراءه إرثًا فنيًا كبيرًا وأعمالًا خالدة جعلته واحدًا من أبرز نجوم الدراما المصرية الذين ما زال الجمهور يتذكرهم بمحبة وتقدير حتى اليوم.