روضه نبيل تكتب: فايروس النقرة الواحدة.. كيف تلتهم حروب الشائعات عقول الشعوب؟

روضه نبيل



لم تعد الشائعة مجرد حكاية كاذبة يتناقلها الناس في جلساتهم للتسلية، بل تحولت في عصرنا الرقمي الحالي إلى سلاح خطير يدار بذكاء شديد، بهدف السيطرة على العقول، وتدمير استقرار الدول من الداخل، وتوجيه أفكار الناس.


في ثوان معدودة وبلمح البصر، وبفضل ضغطة زر واحدة طائشة من مستخدم غير منتبه، يمكن لمعلومة مسمومة ومزيفة بالكامل أن تجتاح منصات التواصل الاجتماعي وتخترق الشاشات، لتصل إلى ملايين البشر في كل مكان، قبل أن يمتلك الطرف المستهدف أي فرصة للرد أو توضيح الحقيقة.


نحن اليوم لا نعيش مجرد حالة من كثرة الأخبار وتعدد مصادرها، بل نعيش في فوضى عارمة تختلط فيها الحقائق بالأكاذيب، ويتحول فيها وعي الناس وفهمهم للأمور إلى الضحية الأولى والهدف الأسهل للاختراق واللعب بالعقول.


هذا التطور التكنولوجي المرعب منح الشائعة أجنحة تجعلها تطير بسرعة فائقة، فالخطر الحقيقي والداهم اليوم لا يكمن في وجود الخبر الكاذب نفسه، بل في سرعة انتشاره كالفيروس القاتل وسط كم هائل من البشر يندفعون للمشاركة دون فحص أو تأكد.


 بات المحتوى المثير والصادم والغريب ينتشر كالنار في الهشيم، ليضع المجتمع بأكمله في حالة قلق وجدل عقيم لا ينتهي، ويخلق بيئة مشحونة بالخوف والتوتر بين الناس، في معادلة بائسة تلتهم فيها الجري وراء السرعة والركض خلف التريند قيم الصدق والحقيقة.


وأمام هذا التحدي الشرس، سقطت تماماً الفكرة القديمة التي كانت تضع حمل المواجهة والرد على كاهل الحكومة أو وسائل الإعلام وحدهما فالصحافة المهنية اليوم، وإن كانت تحارب لتقديم الأخبار الصحيحة والمثبتة من مصادرها الحقيقية، إلا أنها تقف عاجزة إن لم يفهم المواطن البسيط أن المعركة الحقيقية هي معركته هو شخصياً.


إن كل منشور غير صحيح تشاركه على صفحتك، أو خبر مجهول تعيد نشره دون أن تتأكد منه، يجعلك شريكاً ومسؤولاً في نشر الكذب وتخريب استقرار مجتمعك، بينما وعيك الشخصي وذكاءك هما السد المنيع الذي إذا توقفت عنده الشائعة، ماتت في مكانها فوراً ولم تضر أحداً.


إن حماية المجتمع وعقول أفراده لم يعد مجرد رفاهية أو كلام، بل أصبح مسألة أمن وحياة تفرضها بكل قوة الظروف الصعبة التي نمر بها جميعاً، والمواجهة الحقيقية لا تكون بملاحقة كل كذبة والرد عليها، بل بتوعية الناس وتشجيعهم على التفكير الذكي، ليطرحوا الأسئلة قبل أن يصدقوا أي كلام، ويبحثوا عن الدليل قبل أن ينشروا.


في نهاية المطاف، حرية استخدام الإنترنت والموبايل يجب أن ترتبط بمسؤولية وأخلاق تحكم سلوك الفرد وتضبط حركته وهو يمسك هاتفه، فستظل الحقيقة الساطعة هي الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها كل الأكاذيب والمؤامرات.


وسيبقى الوعي والفهم هما خط الدفاع الأول والدرع الواقي للمجتمع ككل، لحماية استقرار الأوطان، وضمان تماسك الناس معاً في وجه أعاصير التزييف، ومواجهة حرب الشائعات الممنهجة التي تسعى لإلغاء عقول الناس وجعلهم يصدقون أي وهم.