كتبت شيماء حمدالله
أقرت الجزائر مرسومًا تنفيذيًا جديدًا يمنع المدارس الخاصة من تدريس المناهج والبرامج الأجنبية، وفي مقدمتها المنهج الفرنسي، مع إلزامها بتطبيق البرامج التعليمية الوطنية حصريًا واعتماد اللغة العربية في تدريس جميع المواد، باستثناء اللغات الأجنبية.
ويأتي القرار ضمن توجه السلطات إلى توحيد المرجعية التعليمية، وتعزيز الهوية الوطنية، وضمان خضوع المؤسسات التربوية للثوابت الدستورية والثقافية ومتطلبات الأمن القومي.
وأثار المرسوم نقاشًا بين الخبراء التربويين بشأن انعكاساته على مستقبل التعليم الخاص، إذ يرى مؤيدوه أنه يعزز تكافؤ الفرص بين التلاميذ ويحد من التفاوت في المسارات التعليمية، بينما يحذر مختصون من تحديات محتملة تتعلق بتطوير الكفاءات اللغوية والانفتاح على التجارب التعليمية الدولية.
الجزائر تمنع المناهج الأجنبية في المدارس الخاصة
يشترط المرسوم التنفيذي المنظم لنشاط مؤسسات التربية والتعليم الخاصة احترام أحكام الدستور وقوانين الجمهورية، والالتزام بمبادئ السيادة والوحدة الوطنية، إلى جانب الهوية والقيم الدينية والأخلاقية والثقافية للأمة، ومقتضيات الأمن والدفاع الوطني والنظام العام، فضلًا عن المرجعيتين التاريخية الوطنية والدينية.
ويلزم القرار المدارس الخاصة بتطبيق البرامج التعليمية الوطنية التي يحددها وزير التربية الوطنية دون غيرها، مع الحظر التام لتدريس البرامج الأجنبية، بما ينهي اعتماد مناهج تعليمية موازية للمنظومة الوطنية داخل هذه المؤسسات.
كما ينص المرسوم على استخدام اللغة العربية بصورة إلزامية في جميع المواد والمستويات التعليمية، باستثناء مواد اللغات الأجنبية، في إطار توجه يستهدف توحيد أسس التعليم ومضامينه داخل المدارس الجزائرية.
خبراء يؤيدون القرار لحماية الهوية الوطنية
أبدى صاحب مبروك زنوش، مدير المجمع المدرسي «مفاتيح العلم والمعرفة» والمستشار التربوي لمجموعات مدرسية، تأييده للقرارات الجديدة، معتبرًا أن المناهج الفرنسية لا تمثل نموذجًا مثاليًا يمكن الاقتداء به في المجتمع الجزائري، نظرًا للاختلاف بين الثوابت الوطنية الجزائرية والمرجعيات الفرنسية.
وأوضح زنوش، في تصريحات لموقع «العربية.نت»، أن دفتر الشروط الجديد يفرض ضوابط أكثر صرامة على المستثمرين في قطاع التعليم الخاص، ويُلزمهم بمراجعة توجهاتهم قبل دخول مجال يرتبط بتكوين الأجيال ويحمل أهمية وطنية كبيرة.
ويرى مؤيدو القرار أن إخضاع جميع المدارس لمرجعية تعليمية واحدة يعزز دور الدولة في تحديد الأهداف والمضامين التربوية، ويحافظ على الخصوصية الثقافية الجزائرية، ويحد من ظهور مسارات تعليمية منفصلة داخل المجتمع.
المنهاج الوطني يعزز تكافؤ الفرص بين التلاميذ
من جانبه، اعتبر المختص التربوي صلاح الدين معافة أن إلزام المدارس الخاصة بالمنهاج الوطني ومنع تدريس البرامج الأجنبية يمثلان خطوة نحو توحيد المرجعية التعليمية وضمان خضوع المؤسسات التربوية للأهداف والمضامين نفسها.
وأوضح معافة، في تصريح لـ«العربية.نت»، أن اعتماد منهاج موحد يمكن أن يسهم في تقليص الفوارق التعليمية بين التلاميذ، ويعزز تكافؤ الفرص، فضلًا عن تسهيل انتقال الطلاب من مدرسة إلى أخرى دون مواجهة اختلافات جوهرية في المحتوى الدراسي.
وأضاف أن توحيد البرامج يضمن انسجام المعارف التي يكتسبها التلاميذ مع متطلبات الامتحانات الوطنية وشروط الالتحاق بالتعليم العالي، بدلًا من وجود مسارات تعليمية موازية قد تؤدي إلى تفاوت في مستوى التحصيل والكفاءات.
مخاوف من تأثير القرار على تعلم اللغات الأجنبية
في المقابل، حذر معافة من أن تطبيق القرار دون توفير بدائل تعليمية مناسبة قد يفرض تحديات على بعض المدارس الخاصة التي اعتادت العمل بالمناهج الأجنبية، خصوصًا فيما يتعلق بتطوير المهارات اللغوية وتعريف الطلاب بتجارب تعليمية متنوعة.
وشدد المختص على ضرورة التمييز بين حظر البرامج والمناهج الأجنبية ومنع تعلم اللغات نفسها، موضحًا أن اعتماد المنهاج الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام اكتساب الفرنسية والإنجليزية أو مواكبة التطورات العلمية الدولية.
وأكد أن نجاح القرار يرتبط بقدرة المؤسسات التعليمية على تطوير أساليب تدريس اللغات الأجنبية، وتحديث المناهج الوطنية، وتأهيل المعلمين، وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة التي تساعد الطلاب على اكتساب المهارات المطلوبة.
تحديث التعليم شرط لتحقيق التوازن بين الهوية والانفتاح
يضع القرار الجزائري المدارس الخاصة أمام متطلبات جديدة تتعلق بتوحيد البرامج الدراسية والالتزام باللغة العربية في تدريس المواد، مع استمرار استثناء مواد اللغات الأجنبية من هذا الشرط.
وبينما يركز المؤيدون على حماية الهوية الوطنية وتحقيق المساواة التعليمية، تبرز أهمية توفير أدوات تعليمية حديثة تضمن عدم تأثر مستوى اكتساب اللغات والمهارات العلمية.
ويظل تحقيق التوازن بين ترسيخ المرجعية الوطنية والانفتاح على المعرفة العالمية أحد أبرز التحديات المرتبطة بتطبيق المرسوم، خصوصًا مع أهمية تطوير جودة التعليم وتأهيل الطلاب لمواصلة دراستهم والتنافس في بيئات أكاديمية ومهنية متعددة اللغات.




