لم يكن الفنان علي الكسار يتخيل أن رحلته نحو الشهرة ستبدأ من مكان بعيد تمامًا عن الفن، فقبل أن يصبح أحد أبرز رواد الكوميديا في مصر والعالم العربي، خاض تجارب مهنية متعددة بحثًا عن لقمة العيش، حتى قادته المصادفة إلى الطريق الذي غيّر حياته إلى الأبد.
في سنواته الأولى، حاول علي الكسار أن يسير على خطى والده في العمل، إلا أن التجربة لم تحقق النجاح الذي كان يتمناه، فقرر تغيير مساره والالتحاق بالعمل مع خاله في مجال الطهي. وهناك، داخل أحد المطابخ، بدأت ملامح مستقبله الفني تتشكل دون أن يدرك ذلك.
وخلال عمله، احتك بعدد كبير من النوبيين الذين كانوا يعملون في المهنة نفسها، فتعلّم طريقة حديثهم، وحفظ نبرات أصواتهم وتعابيرهم اليومية، ولاحظ تفاصيل شخصياتهم عن قرب.
ومع مرور الوقت، وجد في هذه الملامح مادة ثرية يمكن توظيفها على المسرح، فابتكر شخصية «عثمان عبد الباسط» الشهيرة، المعروفة جماهيريًا باسم «البربري»، والتي أصبحت علامة فارقة في تاريخ الكوميديا المصرية، وحققت له نجاحًا جماهيريًا واسعًا استمر سنوات طويلة.
وبفضل هذه الشخصية، تحول علي الكسار إلى أحد أهم نجوم المسرح، قبل أن ينتقل إلى السينما ويشارك في عدد كبير من الأفلام التي رسخت مكانته الفنية، ليصبح منافسًا قويًا لنجوم الكوميديا في عصره، ويصنع مدرسة خاصة اعتمدت على الأداء البسيط والارتجال والاقتراب من حياة الناس.
ورغم النجاح الكبير الذي حققه، لم تخلُ حياة الكسار من المواقف الطريفة التي ظلت تُروى حتى بعد رحيله، ومن أشهر هذه الحكايات قصة الخروف الذي اشتراه استعدادًا لعيد الأضحى، بعدما تعلق به وقرر تربيته داخل منزله، لكن في أحد الأيام اختفى الخروف فجأة، فخرج الفنان يجوب شوارع القاهرة باحثًا عنه في حالة من القلق والانفعال.
وأثار تصرفه دهشة المارة، حتى ظن البعض أنه فقد اتزانه العقلي، ووصل الأمر إلى تدخل الشرطة، التي اصطحبته إلى مستشفى الأمراض العقلية للاطمئنان على حالته، وبعد وقت قصير، تدخل عدد من أصدقائه وأكدوا حقيقة الموقف، موضحين أن الأمر لم يكن سوى نتيجة تعلقه الشديد بالخروف، لينتهي الموقف الذي تحول لاحقًا إلى واحدة من أشهر طرائفه.
ومع تغير الذوق الفني في الأربعينيات والخمسينيات، بدأت شعبية علي الكسار تتراجع تدريجيًا، خاصة مع ظهور جيل جديد من الفنانين وتغير شكل المسرح والسينما، وهو ما انعكس على حضوره الفني ودخله، لتتراجع أحواله المادية بعد سنوات طويلة من النجومية.
وفي سنواته الأخيرة، تعرض لأزمة صحية صعبة بعد إصابته بسرطان البروستاتا، وعانى من ظروف مادية قاسية، حتى قضى أيامه الأخيرة في غرفة بالدرجة الثالثة داخل مستشفى قصر العيني، قبل أن يرحل عام 1957، تاركًا خلفه تاريخًا فنيًا حافلًا بالأعمال الخالدة.
ورغم النهاية الحزينة، ظل اسم علي الكسار حاضرًا في ذاكرة الفن المصري، باعتباره أحد أبرز رواد الكوميديا، وصاحب تجربة استثنائية أثبتت أن الموهبة الحقيقية قادرة على أن تبدأ من أبسط الأماكن، لتصل بصاحبها إلى قمة المجد، وتترك أثرًا لا تمحوه السنوات.



