في مثل هذا اليوم، 12 يوليو، تحل ذكرى ميلاد الفنانة الراحلة فايدة كامل، إحدى أبرز الشخصيات التي جمعت بين الفن والعمل العام، حيث استطاعت أن تترك بصمة مميزة في عالم الغناء والسينما، قبل أن تواصل مسيرتها في الحياة السياسية لتصبح أول فنانة مصرية تصل إلى البرلمان، في رحلة استثنائية جمعت بين الإبداع وخدمة الوطن.
وُلدت فايدة كامل في 12 يوليو عام 1932، وظهرت موهبتها الفنية منذ سنوات الطفولة، الأمر الذي دفعها إلى الالتحاق بمعهد الموسيقى العربية وهي في الحادية عشرة من عمرها، لتبدأ رحلة أكاديمية صقلت موهبتها الغنائية، ولم تكتفِ بذلك، بل التحقت أيضًا بالمعهد العالي للفنون المسرحية، إيمانًا منها بأهمية الدراسة في بناء الفنان، كما واصلت تعليمها الجامعي والتحقت بكلية الحقوق، وحصلت على درجة الليسانس، في خطوة عكست اهتمامها بالثقافة والمعرفة إلى جانب الفن.
واستطاعت فايدة كامل أن تحجز مكانة خاصة بين أبرز مطربات جيلها، إذ تنوعت أعمالها بين الأغنية العاطفية والوطنية والدينية، وتميز صوتها بالقوة والإحساس، ما جعلها من الأصوات التي ارتبطت بالعديد من المناسبات الوطنية المهمة في تاريخ مصر.
وبرزت بشكل خاص في الأغنيات الوطنية، حيث قدمت مجموعة من الأعمال التي لا تزال حاضرة في الذاكرة، من بينها «عاد السلام يا نيل»، و«دع سمائي فسمائي محرقة» التي جاءت خلال فترة العدوان الثلاثي على مصر، بالإضافة إلى «شبر واحد»، كما شاركت في الأوبريت الشهير «وطني الأكبر» إلى جانب نخبة من كبار مطربي الوطن العربي، في واحدة من أشهر الملاحم الغنائية الوطنية التي جسدت روح الوحدة العربية والانتماء.
ورغم نجاحها الغنائي الكبير، فإن تجربتها السينمائية كانت محدودة نسبيًا، إذ دخلت عالم السينما مبكرًا من خلال فيلم «سكة السلامة» عام 1948، وقدمت بعده عددًا من الأعمال، قبل أن تختتم مشوارها السينمائي بفيلم «أرض السلام» عام 1957، لتتفرغ بعد ذلك بشكل أكبر للغناء والعمل العام.
لكن المحطة الأبرز في حياتها جاءت خارج الوسط الفني، عندما اتجهت إلى العمل السياسي، لتصبح أول فنانة مصرية تنضم إلى مجلس الشعب، بعد انتخابها نائبًا عن دائرة الخليفة بالقاهرة عام 1971، لتبدأ مسيرة برلمانية استمرت لأكثر من ثلاثة عقود، وهو إنجاز غير مسبوق في ذلك الوقت.
وخلال سنوات عملها النيابي، عُرفت فايدة كامل بدفاعها المستمر عن قضايا المرأة والأسرة، وكانت تؤمن بأن المرأة شريك أساسي في بناء المجتمع، ورفعت شعار «المرأة نصف المجتمع»، كما اهتمت بالقضايا الثقافية والفنية، وسعت إلى توظيف خبرتها الفنية في خدمة التشريعات المرتبطة بالثقافة والإبداع.
وتولت رئاسة لجنة الثقافة والإعلام والسياحة بمجلس الشعب، وأسهمت في مناقشة العديد من الملفات المهمة التي تتعلق بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية، وكان من أبرز إنجازاتها إعداد مشروع قانون للحفاظ على التراث السينمائي المصري، بهدف حماية الأفلام المصرية باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية، وضمان صيانتها من الضياع أو التشويه في ظل التطورات التقنية والانفتاح الإعلامي.
كما ارتبط اسمها بدخول موسوعة جينيس للأرقام القياسية، بعدما صُنفت ضمن أكثر البرلمانيات استمرارًا في عضوية البرلمان على مستوى العالم، وهو إنجاز يعكس طول مسيرتها في العمل التشريعي وخدمة الشأن العام.
وعلى الصعيد الشخصي، تزوجت فايدة كامل من وزير الداخلية الأسبق النبوي إسماعيل، وكانت تنتمي إلى أسرة فنية عريقة، فهي شقيقة الموسيقار عبد الرحمن الخطيب، والموسيقار الراحل سليمان جميل، ومطربة الأوبرا أميرة كامل، وهو ما أسهم في نشأتها داخل بيئة فنية وثقافية ثرية.
ورغم رحيلها، لا تزال فايدة كامل حاضرة في وجدان جمهورها، سواء من خلال أغنياتها الوطنية التي ارتبطت بمحطات فارقة في تاريخ مصر، أو عبر مسيرتها البرلمانية التي أثبتت أن الفنان يمكن أن يكون صاحب رسالة تتجاوز خشبة المسرح واستوديوهات التسجيل، ليشارك في صياغة القوانين والدفاع عن قضايا المجتمع، وظلت تجربتها نموذجًا فريدًا لامرأة نجحت في الجمع بين الفن والسياسة، وتركت إرثًا يستحق أن يُروى مع كل ذكرى لميلادها.



