في خطوة تاريخية من شأنها إعادة صياغة العقيدة القتالية وتغيير ملامح المعارك الجوية المستقبلية، أعلنت القوات الجوية الأمريكية نجاح أول اختبار قتالي من نوعه لإطلاق صاروخ "جو-جو" بعيد المدى من طائرة مسيرة ذاتية القيادة.
وأكدت واشنطن أن هذه التجربة تُمثل "منعطفًا استراتيجيًا" في دمج الطائرات المسيرة القتالية لتعمل جنبًا إلى جنب مع المقاتلات المأهولة التي يقودها طيارون بشر، وفقًا لما نقلته مجلة "إير آند سبيس فورسز" العسكرية المتخصصة.
إطلاق حي في سماء كاليفورنيا
أُجريت التجربة بالذخيرة الحية في قاعدة "إدواردز" الجوية الشهيرة بولاية كاليفورنيا، حيث استخدمت القوات الجوية الطائرة المسيرة القتالية المتطورة YFQ-44A، التي تطورها شركة "أندوريل إندستريز" (Anduril Industries) ضمن برنامج الطائرات القتالية التعاونية المعروف اختصارًا بـ (CCA).
وخلال المناورة القتالية، نجحت الطائرة المسيرة في إطلاق صاروخ جو-جو موجه بعيد المدى من طراز "إيه آي إم-120 أميرام" (AIM-120\ AMRAAM) صوب هدف جوي بدقة عالية، وهو ما يُعد أول اختبار قتالي ناجح بالذخيرة الحية ضمن هذا البرنامج الواعد.
وأوضحت القوات الجوية في بيان لها، أن الاختبار أثبت بما لا يدع مجالًا للشك قدرة الأنظمة غير المأهولة على تنفيذ مهام تكتيكية معقدة واعتراض التهديدات الجوية بكفاءة مطلقة.
من الاستطلاع إلى السيادة الجوية
ويُمثل هذا التطور نقلة نوعية في أدوار الطائرات المسيرة؛ إذ لم يعد دورها مقتصرًا على عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية أو توجيه ضربات محدودة لأهداف أرضية ثابتة، بل باتت مؤهلة لخوض معارك جوية مباشرة والدفاع عن المقاتلات الصديقة.
وتسعى القيادة العسكرية الأمريكية إلى تحويل هذه المسيرات إلى "مرافق ذكي" للمقاتلات الحديثة مثل (F-35) وجيل المستقبل من طائرات السيادة الجوية، بحيث تتقدم المسيرات في الأجواء شديدة الخطورة للتصدى للمقاتلات المعادية وتوفير الحماية والدعم للطيارين دون تعريض حياتهم للخطر.
ونقل موقع "بريكينج ديفينس" العسكري عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن الاعتماد المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة المعارك الجوية بات حجر الزاوية في خطط التطوير الراهنة.
الفيتو النهائي للضابط البشري
ورغم الطفرة التكنولوجية الهائلة والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في توجيه هذه الطائرات، سارعت القوات الجوية الأمريكية إلى تبديد المخاوف الأخلاقية والقانونية، مؤكدة بشكل حاسم أن قرار استخدام السلاح وإطلاق الصواريخ سيظل دائمًا بيد العنصر البشري.
وشدد البنتاجون على أن هذه المسيرات صُممت لتكون بمثابة "مساعد ذكي" للطيار البشري، وليست بديلًا عنه؛ حيث يتولى الطيار في الطائرة الأم قيادة السرب وتوجيه ضرباته، مستفيدًا من الحماية والمدى الإضافي الذي توفره الطائرات المسيرة في البيئات القتالية عالية الخطورة.
سباق تسلح دولي محموم
وتأتي هذه التجربة الأمريكية الناجحة في وقت تشهد فيه الساحة الدولية سباقًا محمومًا ومنافسة شرسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا لتطوير طائرات قتالية غير مأهولة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه الأنظمة ستكون العمود الفقري لأي صراع عسكري قادم، وهو ما دفع واشنطن لتسريع برنامج الطائرات القتالية التعاونية (CCA) لضمان تفوقها الجوي، مع التركيز على خفض التكلفة الاقتصادية للحروب وتقليل الخسائر البشرية في صفوف طياريها إلى الحد الأدنى.

